عادلا بذلك عن رب كل شئ وليس بمربوب ؟ ! أم هذا قبيح في العقول ؟ وهو
لازم لكم على عبادة الأوثان . والرب إذا أطلق أفاد المالك لتصريف الشئ
بأتم التصريف وإذا أضيف فقيل رب الدار ، ورب الضيعة ، فمعناه المالك
لتصريفه بأتم تصريف العباد واصله التربية وهي تنشئة الشئ حالا بعد حال حتى يصير
إلى الكمال . ثم صرف إلى معنى الملك لهذه الأحوال من الشئ وما جرى مجراها .
والفرق بين الرب والسيد ، أن السيد هو المالك لتدبير السواد الأعظم ، والرب
المالك لتدبير الشئ حتى يصير إلى الكمال مع اجرائه على تلك الحال .
وقوله " ولا تكسب كل نفس الا عليها " معناه لا يكون جزاء عمل كل نفس
الا عليها . ووجه اتصاله بما قبله أنه لا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه
من ذلك ، لأنه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له ، لأنه " لا تزر وازرة وزر
أخرى " وقيل : ان الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وآله اتبعنا ، وعلينا وزرك إن كان
خطأ ، فأنزل الله الآية . وفيها دلالة على فساد قول المجبرة من وجهين :
أحدهما - ان قوله " ولا تزر وازرة وزر أخرى " يدل على أنه لا يعذب
الطفل بكفر أبيه .
والثاني - أنه لا يعذب أحدا بغير ذنب كان منه ، لأنهما سواء في أن
كل منهما مستحق . وتقول : وزر يزر وزرا ، ووزر ، يوزر ، فهو
موزور ، وكله بمعنى الاثم . والوزر الملجأ . ومنه قوله " كلا لا وزر " ( 1 )
فحال الموزور كحال الملتجئ من غير ملجأ . ومنه الوزير لان الملك يلتجئ إليه
في الأمور . وقيل : أصله الثقل ، ومنه قوله " ووضعنا عنك وزرك " ( 2 )
وكلاهما محتمل " ثم إلى ربكم مرجعكم " يعني مالككم ومصيركم إلى الله
في يوم لا يملك فيه الامر غيره تعالى .
وقوله " فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " معناه انه يخبركم بالحق فيما
اختلفتم فيه من الباطل ، فيظهر المحسن من المسئ بما يزول معه الشك ، والارتياب
هامش
( 1 ) سورة 75 القيامة آية 11
( 2 ) سورة 94 الانشراح آية 2 .