فكذلك إذا بلغ ، وله مال في يد وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله ، وجب عليه
أن يسلم إليه ماله ، إذا كان عاقلا ، مصلحا لما له ، وإن كان فاسقا في دينه . وفي
الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل ، إذا كان مفسدا في ماله ، من حيث أنه
إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له ، فكذلك في حال كمال
العقل إذا صار بحيث يفسد المال ، جاز الحجر عليه ، وهو المشهور في أخبارنا .
ومن الناس من قال : لا يجوز الحجر على العاقل ، ذكرناه في الخلاف .
وقوله : ( فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ) فهو خطاب لأولياء
اليتيم ، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم ، وأونس منه الرشد ، على ما فسرناه ، أن
يسلم إليه ماله ، ولا يحبسه عنه . وقوله : ( ولا تأكلوها اسرافا ) معناه بغير
ما أباحه الله لكم . وقال الحسن ، والسدي : الاسراف في الاكل . وأصل الاسراف
تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح ، وربما كان ذلك في الافراط ، وربما كان في
التقصير غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه : أسرف يسرف إسرافا ، وإذا كان
في التقصير يقال : سرف يسرف سرفا ، يقال : مررت بكم فسرفتكم ، يريد :
فسهوت عنكم ، وأخطأتكم ، كما قال الشاعر :
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف ( 1 )
يعني لا خطأ فيه ، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطونها . وقوله :
" وبدارا أن يكبروا " فالبدار والمبادرة مصدران ، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى
أن يأكلوا أموالهم اسرافا بغير ما أباح الله لهم أكله ، ولا مبادرة منكم
بلوغهم ، وإيناس الرشد منهم ، حذرا أن يبلغوا ، فيلزمكم تسليمه إليهم ، وبه
قال ابن عباس ، وقتادة ، والحسن ، والسدي ، وابن زيد .
هامش
( 1 ) قائله جرير ديوانه 2 : 15 واللسان ( هند ) و ( سرف ) وهو من قصيدة يمدح
بها يزيد بن عبد الملك ، ويهجو آل المهلب . قوله : ( هنيدة ) اسم لكل مئة من الإبل ،
و ( هنيد ) لا يصرف ولا يدخل عليه الألف واللام ولا يجمع وليس له واحد من جنسه . و ( ثمانية ) أي ثمانية
من العبيد : وكان في المخطوطة والمطبوعة ( عطاءكم ) وهو مناسب في المعنى ولكن لم أجد أحد
يرويه الا ( عطائهم ) .