معناه عمل فجمع المال في الدنيا وأدبر عن الحق وتولى ، فالنار تدعوه بما يظهر فيها
من أنه أولى بها . وقال مجاهد ( جمع ) المال ( فاوعى ) ولم يخرج حق الله منه ،
فكأنه جعله في وعاء على منع الحقوق منه .
وقوله ( إن الانسان خلق هلوعا ) اخبار منه تعالى بان الانسان خلق هلوعا
والهلوع هو الشديد الحرص ، الشديد الجزع من الضجر - في قول ابن عباس وعكرمة -
وقيل : معناه خلق ضعيفا عن الصبر على الجزع والهلع ، لأنه لم يكن في ابتداء خلقه
يهلع ولا يجزع ولا يشعر بذلك حال الطفولية ، وإنما جاز ان يخلق الانسان على هذه
الصفة المذمومة ، لأنها تجري مجرى خلق سهوه القبيح ليجتنب المشتهى ، لان المحنة
في التكليف لا تتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى ،
كما لا يتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الاخر
( إذا مسه الشر جزوعا ) لو كان منقطعا عن الأول لكان مرفوعا ، والجزع ظهور الفزع
بحال تنبئ عنه ( وإذا مسه الخير منوعا ) معناه إذا نال الانسان الخير والسعة في
الدنيا منع حق الله فيه من الزكاة وغيرها مما فرض الله عليه ، فالمس الملاقاة من غير
فعل ، ويقال : مسه يمسه ، وتماسا إذا التقيا من غير فعل ، وماسه مماسة . والمنع هو
القطع عن الفعل بما لا يمكن وقوعه معه ، وهو على وجهين : أحدهما - منع القادر ان
يفعل . والاخر - منع صاحب الحق أن يعطى حقه . والبخل منع الحق صاحبه .
لما وصف الله تعالى الانسان بالصفات المذمومة استثنى من جملتهم من
لا يستحق الذم ، لان الانسان عبر به عن الناس ، فهو لعموم الجنس ، كما قال ( إن
الانسان لفي خسر ألا الذين ) ( 1 ) وكذلك - ههنا - قال ( إلا المصلين الذين هم
هامش
( 1 ) سورة 103 العصر آية 2 .