وكتمانه ودل " تلبسوا " على اللبس و " تكتموا " على الكتمان كما تقول : من
كذب كان شرا له فكذب دليل على الكذب فكأنه قال : من كذب كان
الكذب شرا له
قوله : " وأنتم تعلمون "
المعنى :
قال قوم : هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب ، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون
الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم - قالوا - وهذا تقبيح لما يفعلونه وكذلك
قوله : " وتكتمون الحق " أي تتركون الاعتراف به ، وأنتم تعرفونه أي تجحدون
ما تعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل ومن قال هذا ، لا يلزمه
ما يتعلق به أهل التعارف ، من هذه الآية ، من قولهم : إن الله أخبر أنهم يكتمون
الحق وهم يعلمون ، لأنه إذا خص الخطاب بالرؤساء - وهم نفر قليل - فقد جوز على
مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة ،
لما يرجع إلى العادات ، واختلاف الدواعي كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق
في العدد الكثير وقال بعضهم : وأنتم تعلمون البعث والجزاء فان قيل : كيف
يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون : إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر ؟
وهؤلاء إذا كانوا كفارا ، وماتوا على كفرهم كيف يجوز أن يكونوا عارفين
بصفة محمد ، وأنه حق ، بما معهم من التوراة وذلك مبني على معرفة الله ، وعندكم
ما عرفوا الله ؟ قيل : إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله ، إذا كان معرفته
على وجه يستحق بها الثواب ، فلا يجوز أن يكفر ، لأنه يؤدي إلى اجتماع الثواب
الدائم على إيمانه ، والعقاب الدائم على كفره والاحباط باطل وذلك خلاف
الاجماع ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لان الثواب
إنما يستحق ، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم فأما إذا نظروا بغير
ذلك ، فلا يستحقون الثواب ، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله
على موسى ، وعارفين بصفات النبي " ص " لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 192
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٩٢