تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
ولفظ الآية مع ذلك عام وحكمها باق لجميع الناس ، وقوله مستخلفين فيه يعني أن الأموال التي بأيديكم إنما هي أموال اللَّه لأنه خلقها ، ولكنه متّعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها ، فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء ، فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه ، ويحتمل أن يكون جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم فورثتم عنه الأموال ، فأنفقوها قبل أن تخلفوها لمن بعدكم ، كما خلفها لكم من كان قبلكم ، والمقصود على كل وجه : تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا * ( وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ) * معناه أي شيء يمنعكم من الإيمان ، والرسول يدعوكم إليه بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة ؟ فقوله : ما لكم استفهام يراد به الإنكار . ولا تؤمنون في موضع الحال من معنى الفعل الذي يقتضيه ما لكم . في قوله والرسول يدعوكم واو الحال * ( وقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ ) * يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما جعل في العقول من النظر الذي يؤدي إلى الإيمان ، أو يكون الميثاق الذي أخذه على بني آدم حين أخرجهم من ظهر آدم ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . * ( هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِه آياتٍ ) * يعني سيدنا محمدا صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ، والعبودية هنا للتشريف والاختصاص ، والآيات هنا القرآن * ( وما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ) * الآية : معناه أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل اللَّه ؟ واللَّه يرث ما في السماوات والأرض إذا فني أهلها . ففي ذلك تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا * ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ ) * الفتح هنا فتح مكة ، وقيل : صلح الحديبية ، والأول أظهر وأشهر ، ومعنى الآية التفاوت في الأجر والدرجات بين من أنفق في سبيل اللَّه وقاتل قبل فتح مكة ، وبين من أنفق وقاتل بعد ذلك ، فإن الإسلام قبل الفتح كان ضعيفا ، والحاجة إلى الانفاق والقتال كانت أشد ، ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم أجرا ممن أنفق في حال الرخاء ، وفي الآية حذف دل عليه الكلام تقديره : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل مع من أنفق من بعد الفتح وقاتل . ثم حذف ذلك لدلالة قوله : أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وفي هذا المعنى قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم : لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه « 1 » ، يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وخاطب بذلك من جاء بعدهم من سائر الصحابة ، ويدخل في الخطاب كل من يأتي إلى يوم القيامة * ( وكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنى ) * أي
هامش
( 1 ) . رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري ج 3 ص 11 ، 63 .