وفتنة خلق القرآن إن لم تكن قد مست الامام البخاري من بدايتها
مسا مباشرا ، فإنه لاقى منها في ختام حياته ما لاقى ، يوم ثار الخلاف
بينه وبين الذهلي ، وخرج - أو أخرج - بسببها من نيسابور خائفا يرتقب .
وقد ألهم الامام حفظ الحديث وهو في الكتاب ابن عشر سنين أو
أقل ، وفرضت معالم النبوغ نفسها على مجالس شيوخه وهو في باكورة
حياته العلمية : حكى وراقة محمد بن أبي حاتم عنه ، قال : " فجعلت
أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوما - فيما كان يقرأ للناس - : سفيان
عن أبي الزبير عن إبراهيم ، فقلت : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم !
فانتهرني ، فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فدخل فنظر
فيه ، ثم رجع ، فقال : كيف هو يا غلام ؟ فقلت : هو الزبير ، وهو ابن
عدي عن إبراهيم ، فأخذ القلم ، وأصلح كتابه ، وقال : صدقت " .
فلما بلغ السادسة عشرة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع ،
وعرف كلام أهل الرأي ، وخرج مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج سنة
210 ه ، وأقام بمكة مجاورا ، ورجع أخوه مع أمه إلى بخاري ، فمات
بها .
يقول الامام : ولما طعنت في ثماني عشرة سنة صنفت كتاب
" قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم ، وصنف " التاريخ الكبير " إذ ذك
عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة .
وكتاب التاريخ الكبير - على كبره وطوله - قد تحرى الامام أن
يختصره اختصارا شديدا ، بحيث لا يملك التناول منه إلا الباحث
المتخصص ، ومع ذلك فهو يقول عنه : " قل اسم في التاريخ إلا وله
عندي قصة ، إلا أني كرهته تطويل الكتاب " ، ونضيف فنقول : إن هذا
التاريخ الصغير — صفحة 8
مساهمون: البخاري
ص٨