قلب ، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ، ثم قال : أترون أني أختلف
هدرا ، وأضيع أيامي ؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد .
قالا : فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث ، وهو
شاب حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسوه في بعض الطريق ، فيجتمع إليه
ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه ، وكان شابا لم يخرج وجهه " .
ويحكي الامام عن نفسه ، فيقول : " دخلت على الحميدي ، وأنا
ابن ثماني عشرة سنة - يعنى أول سنة حج - فإذا بينه وبين آخر اختلاف
في حديث ، فلما بصر بي قال : جاء من يفصل بيننا ، فعرضا علي
الخصومة ، فقضيت للحميدي ، وكان الحق معه " .
وهذا إن دل على شئ فإنما يدل أولا على أن شيوخه قد أدركوا
هذه المميزات التي وهبه الله إياها ، ولمسوها منه .
وها هو يقول أيضا : " قال لي محمد بن سلام البيكندي : انظر
في كتبي ، فما وجدت فيها من خطأ ، فاضرب عليه فقال له أصحابه :
من هذا الفتي ؟ قال : " هذا الذي ليس مثله " .
ومما ساقه ابن حجر في هذا المجال - منتهيا في سنده في النقل
إلى ابن عدي - هذا الخبر الذي يؤكد هذه الموهبة عند أبي عبد الله :
" قال ابن عدي : سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون : إن
محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث ،
فاجتمعوا ، وأرادوا امتحان حفظه ، فعمدوا إلى مائة حديث ، فقلبوا
متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الاسناد لاسناد آخر ، ودفعوها إلى
عشرة أنفس ، لكل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس
التاريخ الصغير — صفحة 11
مساهمون: البخاري
ص١١