فرع ذكرنا أن المدعي إن كان في البلد ، كلف المدعى عليه إحضاره ،
وإن كان غائبا يبعثه القاضي المكتوب إليه على يد المدعى ، ولا يكلف المدعى عليه
الاحضار للمشقة ، كما يكلف الحضور هناك ولا يكلفه هنا ، قال البغوي : فحيث
أمر المدعي هنا بالاحضار ، فمؤنة الاحضار عليه إن ثبت أنه للمدعي ، وإلا فعلى
المدعى مؤنة الاحضار والرد جميعا ، وحيث يبعثه القاضي المكتوب إليه إلى بلد
الكاتب إن لم يثبت أنه للمدعي ، فعليه رده إلى موضع بمؤناته ، وتستقر عليه مؤنة
الاحضار إن تحملها من عنده ، وإن ثبت أنه للمدعي ، فقياس ما ذكره البغوي أنه
يرجع بمؤنة الاحضار على المدعي عليه . وفي أمالي السرخسي أن القاضي ينفق
على النقل من بيت المال ، فإن لم يكن في بيت المال شئ ، اقترض ، فإن ثبت
المال للمدعى عليه ، لزمه رد القرض بظهور تعديه ، وإلا كلف المدعي رده لظهور
تعنته ، ثم قال العراقيون والبغوي وغيرهم : إذا نقل المدعي المال إلى بلد القاضي
الكاتب ، ولم يثبت كونه له ، لزم المدعي مع مؤنة الرد أجرة المثل لمدة الحيلولة ،
ولم يتعرضوا لذلك في مدة تعطل المنفعة ، وإذا أحضره المدعى عليه وهو في البلد ،
فاقتضى سكوتهم المسامحة وقد صرح بهذا الاقتضاء الغزالي ، والفرق بين الحالين
زيادة الضرر هناك .
الطرف الخامس في المحكوم عليه ، والأصل أن لا يسمع القاضي البينة ،
ولا يحكم إلا بحضرة المدعى عليه ، لكن هذا الأصل قد يترك لأسباب . وتفصيلها
أن يقال : إذا لم يكن الخصم في مجلس القاضي ، فإما أن يكون في الخلد ، وإما
لا ، فإن كان ، نظر إن كان ظاهرا يتأتى إحضاره ، فهل يجوز سماع البينة عليه
والحكم من غير حضوره أم لا ، أم يجوز سماعها دون الحكم ؟ فيه أوجه ، الصحيح
المنع منهما ، وأجري الخلاف في الحاضر في مجلس الحكم هل يسمع البينة
عليه ، ويحكم بغير سؤاله ومراجعته ، والمنع هنا أظهر وأولى . وإن تعذر إحضاره
بتواريه أو بعذره ، جاز سماع الدعوى والبينة والحكم عليه على الصحيح ، ومنعه