وإن كان فيها خط من ليس بأهل ، قال الصيمري وغيره : لم يفت معه ، لأن ذلك
تقرير للخطأ ، بل يضرب عليه ، وينهر المستفتي ، ويعرفه قبح ما فعله ، وأنه كان
واجبا عليه البحث عن أهل الفتوى . وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه ، سأل عنه ، فإن
لم يعرفه ، فله الامتناع خوفا مما قلناه . والأولى أن يأمر صاحبها بإبدالها ، فإن أبى ،
أجابه شفاها ، وإذا خاف فتنة من الضرب عليها ، ولم تكن فتياه خطأ ، امتنع من
الافتاء معه .
وهل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء ، نظر إن كان منتسبا إلى
مذهب ، بني على وجهين ، حكاهما القاضي حسين في أن العامي هل له مذهب أم
لا ؟ أحدهما : لا ، لأن المذهب لعارف الأدلة ، فعلى هذا له أن يستفتي من شاء ،
وأصحهما عند القفال له مذهب ، فلا تجوز مخالفته . وإن لم يكن منتسبا ، بني على
وجهين ، حكاهما ابن برهان بفتح الباء من أصحابنا في أن العامي هل يلزمه التقيد
بمذهب معين ؟ أحدهما : لا ، فعلى هذا هل له أن يقلد من شاء أم يبحث عن أسد
المذاهب ، فيقلد أهله وجهان ، كالبحث عن الأعلم . والثاني وبه قطع أبو الحسن
إلكيا : يلزمه . وهو جار في كل من يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر
العلوم ، لئلا يتلقط رخص المذاهب بخلاف العصر الأول ، ولم تكن مذاهب
مدونة ، فيتلقط رخصها . فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهبا يقلده في كل شئ ، وليس
له التمذهب بمجرد التشهي ، ولا بما وجد عليه أبده ، هذا كلام الأصحاب . والذي
يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب ، بل يستفتي من شاء ، أو من اتفق ،
لكن من غير تلقط للرخص . ولعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه . وإذا استفتى وأفتاه
المفتي ، فقال أبو المظفر السمعاني : لا يلزمه العمل به إلا بإلزامه ، قال : ويجوز أن
يقال : يلزمه إذا أخذ في العمل به ، وقيل : يلزمه إذا وقع في نفسه صحته ، قال :
وهذا أولى الأوجه ، والمختار ما نقله الخطيب وغيره ، أنه إذا لم يكن هناك مفت
روضة الطالبين — صفحة 101
مساهمون: النووي
ص١٠١