ولا بد من شئ يحصل به الفصل ، فلما قال : * ( ثم استوى ) * علمنا اختصاصه
بتلك الجهة .
قال ابن الزاغوني ( المجسم ) : ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية يعلمها .
قلت : وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق
والمخلوق فقد حدده ، وأقر بأنه جسم ، وهو يقول في كتابه : إنه ليس بجوهر ،
لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه .
قلت : وهذا كلام جهل من قائله ، وتشبيه محض ، فما عرف هذا الشيخ
ما يجب للخالق ، وما يستحيل عليه . فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر
والأجسام التي لا بد لها من حيز ، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ، ويحاذي ،
ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو أصغر أو مثله ، وإن هذا ومثله
إنما يكون في الأجسام ، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها ، وما جاز عليه
مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث ، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر
قبولها للمباينة والمماسة . فإذا أجازوا هذا عليه ، قالوا بجواز حدوثه ، وإن منعوا
جواز هذا عليه ، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر ، ومتى قدرنا مستغنيا
عن المحل والحيز ومحتاجا إلى الحيز ، ثم قلنا : إما أن يكونا متجاورين أو متباينين ،
كان ذلك محالا .
فإن التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات ، وقد ثبت أن الاجتماع
والافتراق من لوازم المتحيز ، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز ، لأنه إن
كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه ، أو متحركا عنه ، ولا يجوز أن
يوصف بحركة ولا سكون ، ولا اجتماع ولا افتراق ، وما جاور أو باين فقد تناهى
ذاتا ، والمتناهي إذا خص بمقدار ، استدعى مخصصا ، وكذا ينبغي أن يقال ،
ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه ، لأن الدخول والخروج من لوازم
المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام .
وأما قولهم : خلق الأماكن لا في ذاته ، فثبت انفصاله عنها .
صحيح شرح العقيدة الطحاوية — صفحة 316
مساهمون: حسن بن علي السقاف
ص٣١٦