فرأى هذا من فرط المحبة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وشدة التفضيل لهم على الأنام .
وقد سمع هذه الحكاية بعض المتعصبين لهم ، فتعجب منها وأنكرها ، وقال :
ما يستجيز مؤمن أن يفعلها ، فقلت : أعجب منها حمل رأس الحسين بن علي بن
أبي طالب ( عليهما السلام ) على رمح عال ، وخلفه زين العابدين ( عليه السلام ) مغلول اليدين إلى عنقه ،
ونساؤه وحريمه معه سبايا مهتكات على أقتاب الجمال ، يطاف بهم البلدان ،
ويدخل بهم الأمصار التي أهلها يظهرون الإقرار بالشهادتين ، ويقولون : إنهم من
المسلمين ، وليس فيهم منكر ، ولا أحد ينفر ، ولم يزالوا بهم كذلك إلى دمشق
وفاعلو ذلك يظهرون الإسلام ، ويقرأون القرآن ، ليس منهم إلا من قد تكرر
سماعه قول الله سبحانه : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ( 1 ) ، فهذا أعظم من
حمل رأس بقرة في بلدة واحدة .
ومن عجيب قولهم : إن أحدا لم يشر بهذا الحال ، ويستبشر بما جرى فيها من
الفعال ، وقد رأوا ما جرى قرره شيوخهم ، ورسمه سلفهم ، من تبجيل كل من نال
من الحسين صلوات الله عليه في ذلك اليوم منالا ، وآثر في القتل به أثرا ،
وتعظيمهم لهم ، وجعلوا ما فعلوه سمة لأولادهم .
فمنهم في أرض الشام : بنو السراويل ، وبنو السرج ، وبنو سنان ، وبنو
الملحي ، وبنو الطشتي ، وبنو القضيبي ، وبنو الدرجي .
وأما بنو السراويل : فأولاد الذي سلب سراويل الحسين ( عليه السلام ) .
وأما بنو السرج : فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين ( عليه السلام ) ،
ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر ، فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على
هامش
( 1 ) سورة الشورى : 23 .