تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
قال الله تعالى : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) ( الاسراء / 45 ) ، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ، ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبا بكر ، ان صاحبك هجاني فقال : ورب هذا البيت ، ما هجاك ، قال : فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها . ووقع في ( تنبيه ) الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عدة مواضع موزونة . قال النووي : كان لا يحسن الشعر ، ولكن يميز بين جيده ورديئه وقال الزركشي : ظاهر كلامهم أن هذا من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وأن غيره من الأنبياء ليس كذلك . قلت : وهو ظاهر لان غيره من الأنبياء لم يؤتوا . تنبيهان : الأول : قال ابن فارس في فقه اللغة : الشعر كلام موزون مقفى ، دال على معنى ، ويكون أكثر من بيت ، وانما قلنا هذا ، لأنه جائز اتفاقا سطر واحد ، بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد ، فقد قيل إن بعض الناس كتب في عنوان الكتاب : لأمير المسيب بن زهير بن عقال بن شيبة بن عقال ، فاستوى هذا في الوزن الذي هو الخفيف ، ولعل الكاتب لم يقصد به شعرا . الثاني : فان قيل : ما الحكمة في تنزيه الله تعالى نبيه عن الشعر ؟ فالجواب : أو ما في ذلك حكم الله بأن الشعراء يتبعهم الغاوون . وأنهم في كل واد يهيمون ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون فلم يكن ينبغي لرسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر بحال ، لان للشعر شرائط لا يسمى الانسان بغيرها شاعرا ، وذلك لو أن انسانا عمل كلاما مستقيما موزونا ، يتحرى فيه الصدق من غير أن يفرط أو يتعدى ، أو يمني أو يأتي منه بأشياء لا يمكن كونها منه لما سماه الناس شاعرا ، ولكان ما يقوله محمولا ساقطا . وقال : قال بعض العقلاء ، وسئل عن الشعر فقال : ان هزل أضحك ، وان جد كذب والشاعر بين كذب واضحاك ، وإذا كان كذلك فقد نزه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن هاتين الخصلتين ، وبعد فانا لا نكاد نرى شاعرا الا مادحا غارقا أو هاجئا جبانا أقرع . وهذه أوصاف لا تصلح لنبي ، فان قال قائل : فقد يكون من الشعر الحكمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ان من البيان لسحرا وان من الشعر لحكمة ) قيل له : انما نزهه الله تعالى عن قليل الشعر وكثيره لما ذكرناه ، فأما الحكمة فقد آتاه الله تعالى من ذلك القسم الأجزل ، والنصيب الأوفر ، في الكتاب والسنة ، ومعنى آخر في تنزيهه عن قول الشعر : ان أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الايقاع ، الا أن صناعة الايقاع تقسم الزمان بالنظم ، وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف المسموعة ، فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الايقاع ، والإيقاع ضرب من الملاهي ، لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( ما أنا من دد