تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
روى الإمام أحمد ، والترمذي وحسنه ، وابن ماجة ، والحاكم ، عن معاوية بن صيدة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الآية : ( انكم تتمون سبعين أمة ، أنتم خيرها ، وأكرمها على الله ) . الثامنة والثمانون : وبأنها مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره . قال التوربشتي : لا يحمل هذا الحديث على التردد في فضل الأول على الاخر ، فان القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون من غير شبهة ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، وانما المراد بهم نفعهم في بث الشريعة والذب عن الحقيقة . وقال البيضاوي : نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيرية ، وأراد به نفي التفاوت كما قال تعالى : ( ( قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات والأرض ) ( يونس 18 ) أي بما ليس فيهن كأنه قال لو كان لعلم لأنه أمر لا يخفى ولكن لا يعلم ) لاختصاص كل طبقة منهم بخاصية ، وفضيلة توجب خيريتها كما أن كل نوبة من نوب المطر لها فائدة في النشو ، والنماء ، لا يمكنك انكارها ، والحكم بعد نفعها ، فان الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات ، وتلقوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإجابة والايمان ، والآخرين آمنوا بالغيب ، لما تواتر عندهم من الآيات ، واتبعوا من قبلهم بالاحسان ، وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد ، فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التلخيص والتجريد ، وصرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد ، فكل ذنبهم مغفور ، وسعيهم مشكور ، وأجرهم موفور . وقال الطيبي : وتمثيل الأمة بالمطر ، انما يكون بالهدى والعلم كما أن تمثيله صلى الله عليه وسلم الغيث بالهدى والعلم فتختص هذه الأمة المشبهة بالمطر ، بالعلماء الكاملين منهم المكملين لغيرهم فيستدعي هذا التفسير أن يراد بالخير النفع ، فلا يلزم من هذا المساواة في الأفضلية ، ولو ذهب إلى الخيرية ، فالمراد وصف الأمة قاطبة ، سابقها ولاحقها ، وأولها وآخرها ، ( بالخير وأنها ملتحمة بعضها مع بعض مرصوصة بالبنيان ) كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية : هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها تريد المكملة ، ويلمح إلى هذا المعنى قول الشاعر : الخيار من القبائل واحد وبنو حنيفة كلهم أخيار فالحاصل أن الأمة بأسرها مرتبطة بعضها مع بعض في الخيرية ، بحيث أبهم أمرها فيها وارتفع التمييز بينها ، وإن كان بعضها أفضل من بعض في نفس الامر ، وهو قريب من باب سوق المعلوم مساق غيره ، وفي معناه أنشد مروان بن أبي حفصة : تشابه يوماه علينا فأشكلا فما نحن ندري أي يوميه أفضل