فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا ، لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك
قوة ، كما تقرر في علم الحديث .
وروى الطبراني عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما بال أقوام
يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، وإن شفاعتي تنال حاء وحكم " ( 1 ) .
قال في النهاية : حاء وحكم : قال في النهاية : حاء وحكم : قبيلتان جافيتان من وراء رمل يبرين . انتهى . ويبرين بمثناة
تحتية فباء موحدة فراء فمثناة تحتية فنون ويقال يبرون . قال أبو عبيد البكري : هو رمل معروف في
ديار بني سعد بن تميم .
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خلفة الآبي ( 2 ) في شرح مسلم في شرح حديث : " إن
أبي وأباك في النار " ( 3 ) وأورد قول الإمام النووي فيه أي الحديث : إن من مات كافرا في النار
ولا تنفعه قرابة الأقربين . ثم قال الآبي : انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي رحمه الله تعالى :
ليس لنا أن نقول ذلك . فقد قال صلى الله عليه وسلم : " لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات " . وقال تعالى : ( إن
الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) ولعله يصح
ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم أحيا ( الله ) له أبويه فآمنا به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا . ولا يعجز الله سبحانه
وتعالى شئ .
ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة
الأوثان في النار ، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من
الرسل .
ثم قال : قلت : تأمل ما في كلامه من التنافي ، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة ،
فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولم يدركوا الثاني ،
كالأعراب الذي لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم . والفترة بهذا التفسير تشمل ما
بين كل رسولين . ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم .
ولما دلت القواطع على أنه لا يعذب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين .
فإن قلت : صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره . قلت : قد
هامش
( 1 ) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 260 وعزاه للطبراني وقال : وهو مرسل ورجاله ثقات .
( 2 ) محمد بن خلفة بن عمر الأبي الوشتاتي المالكي : عالم بالحديث ، من أهل تونس . نسبته إلى " أبة " من قرأها . ولي
قضاء الجزيرة ، سنة 808 ه . له " إكمال إكمال المعلم ، لفوائد كتاب مسلم " جمع فيه بين المازري وعياض
والقرطبي والنووي ، مع زيادات من كلام شيخه ابن عرفة ، و " شرح المدونة " وغير ذلك ، مات بتونس سنة 827 ه .
انظر الأعلام 6 / 154 .
( 3 ) أخرجه مسلم 1 / 192 كتاب الإيمان ( 347 - 203 ) .