ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة ، وأحسنها من قال : إنه ناج . وإياها
اختار السبكي رحمه الله تعالى .
ومنهم من قال : على الفطرة . ومنهم من قال : مسلم .
قال الغزالي رحمه الله تعالى : التحقيق أن يقال : في معنى المسلم .
وقد مشى على هذا المسلك في والدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من العلماء فصرحوا
بأنهما لم تبلغهما الدعوة . حكاه عنهم سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى في " مرآة الزمان "
ومشى عليه الإمام الآبي في شرح مسلم .
وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما .
وقد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة ، فمن
أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار . والمصحح منها ثلاثة : الأول ، حديث الأسود ابن
سريع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا
يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم : ورجل مات في الفترة . فأما الأصم فيقول : رب لقد
جاء الإسلام وما أسمع شيئا . وأما الأحمق فيقول : رب لقد جاء الإسلام والصبيان
يحذفونني بالبعر . وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا . وأما الذي مات
في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه ، فيرسل إليهم : أن
ادخلوا النار . فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن لم يدخلها فيسحب إليها " .
الثاني : حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه موقوفا ، مثل حديث الأسود بن سريع ( 1 ) .
رواهما الإمام أحمد وإسحاق في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد ، وإسنادهما صحيح .
ورواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه .
الثالث : حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم
القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم ، فيسألهم ربهم فيقولون : ربنا
لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك .
فيقول لهم ربهم : أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون : نعم . فيأمرهم أن يعمدوا
إلى جهنم فيدخلوها ، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فيرجعون
إلى ربهم فيقولون : ربنا أجرنا منها . فيقول لهم : ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر
تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول : اعمدوا إليها . فينطلقون حتى إذا رأوها
هامش
( 1 ) الأسود بن سريع التميمي المنقري أبو عبد الله صحابي نزل البصرة له ثمانية أحاديث وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع غزوات .
وكان شاعرا محسنا فصيحا لسنا ، وهو أول من قضى بالبصرة . روى عنه الأحنف بن قيس والحسن وعبد الرحمن بن
أبي بكرة ولا يصح سماعهما منه . قال ابن مندة : مات سنة اثنتين وأربعين . الخلاصة 1 / 95 .