تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
عالمة بالمعقولات المجرّدة والمعاني الكلَّية بالقوّة ، ثم تصير بعد ذلك عالمة بالفعل . ثم إن سعدت بالاستعداد للقبول ، انقطعت حاجتها عن النّظر إلى البدن ومقتضى الحواسّ ؛ إلا أن البدن لا يزال يجاذبها ويشغلها ويمنعها من تمام الاتصال بالعلويّات ؛ فإذا انحطَّ عنها شغل البدن بالموت ارتفع عنها الحجاب ، وزال المانع ، ودام الاتصال ، وكمل حالها بعد فراق البدن ، والتذّت به لذّة لا يدرك الوصف كنهها . وإن كانت النفس محجوبة عن هذه السعادة فقد شقيت . وعندهم أنه إنّما تحجب باتّباع الشهوات ، وقصر الهمة على مقتضى الطَّبع ، وبإقامته في هذا العالم الخسيس الفاني ، فترسخ في نفسه تلك العادة ويتأكَّد شوقه إليها ، فتفوت بالموت آلة درك ذلك الشّوق ويبقى التشوّق وهو الألم العظيم الذي لا حدّ له ، وذلك مانع من الوصال والاتصال . وهذه النفس ناقصة بفقد العلم ، ملطَّخة باتباع الشّهوات ، بخلاف النّفس السابقة . ويقولون : إن الهيولى قابلة لتركيب الأجسام ، ويخالفون أهل الطبيعة في قولهم : بإنكار المعاد وفناء الأرواح ، فيذهبون إلى أنّ الأرواح باقية وأن المعاد حقّ . ويرون أن التّحسين والتقبيح راجعان إلى العقل دون الشّرع ، كما هو مذهب المعتزلة وغيرهم . ويقولون : إن الإله تعالى فاعل بالذات ليس له صفة زائدة على ذاته ، عالم بذاته وبسائر أنواع الموجودات وأجناسها ، لا يعزب عن علمه شيء ، وإنه يعلم الممكنات الحادثة . ويقولون بإثبات النبوّات لأن العالم لا ينتظم إلا بقانون متبوع بين كافّة [ الناس ] ( 1 ) يحكمون به بالعدل ، وإلَّا تقاتلوا وهلك العالم ، إذ النبيّ هو خليفة اللَّه في أرضه ، بواسطته تنتهي إلى الخلق الهداية إلى مصالح الدّنيا والآخرة ، من
هامش
( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 305 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين