تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الحديث ، وقالوا : القدريّة اسم لمن يقول بسبق القدر . ثم غلب عليهم اسم المعتزلة بواسطة أن واصل بن عطاء أحد أئمّتهم كان يقرأ على الحسن البصريّ فاعتزله بمسألة خالفه فيها . وهم يسمّون أنفسهم أهل التّوحيد [ وأهل العدل ] ( 1 ) ويعنون بالتوحيد نفي الصفات القديمة عن اللَّه تعالى : كالحياة والعلم والإرادة والقدرة ؛ وأنه تعالى حيّ بذاته ، [ عالم بذاته ] ( 2 ) مريد بذاته ، قادر بذاته ، لا بحياة وعلم وإرادة وقدرة ؛ ويعنون بالعدل أنّهم يقولون : إنّ العبد إنما يستحقّ الثّواب والعقاب بفعله الطاعة والعصيان ، وباعتبار أنّه الخالق لأفعال نفسه دون اللَّه تعالى ، تنزيها له تعالى عن أن يضاف إليه خلق الشّرّ : من كفر ومعصية . وإذا كان العبد هو الخالق لأفعال نفسه الموجد لها فليس قدر سابق . ولهم أئمّة كثيرة ، لهم مصنّفات في الأصول والفروع : منهم واصل بن عطاء ، وأبو الهذيل العلَّاف ، وإبراهيم النّظَّام ، وبشر بن المعتمر ، ومعمر بن عبّاد ، وأبو عثمان الجاحظ ، [ وأبو عليّ الجبّائي ] ( 3 ) وابنه أبو هاشم ، وغيرهم . وعندهم أنّه لا قدر سابق بل الأمر أنف ، وأن اللَّه تعالى إنما يخلق الأفعال والمشيئة ، وأن العبد هو المكتسب لأفعاله كما تقدّم . وممّن علت رتبته فيهم الجعد بن درهم ، اجتمع على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة ، وأخذ عنه مروان مذهبه في القول بالقدر وخلق القرآن ، وعلت رتبته عنده ، وبه سمّي مروان المذكور الجعديّ ( 4 ) وكانت له واقعة مع هشام بن عبد الملك بن مروان . ويستعظمون الإيمان بالقدر : خيره وشرّه ، ويتبرؤون منه ، وينكرون القول بأنّ ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه . ويقولون : إذا كان أمر مفروغ منه ففيم يسدّد الإنسان ويقارب ؟ . ويطعنون في رواة حديث : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » . ويتأوّلون قوله تعالى : * ( وإِنَّه فِي أُمِّ ) *
هامش
( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) الزيادة من المقريزي : 2 / 348 . ( 4 ) ومن المشاهير الذين اتبعوا مذهبهم الخليفة العباسي المأمون ؛ وفي عهده كانت المحنة المعروفة بمحنة « خلق القرآن » أيام الإمام أحمد بن حنبل .