أدانينا إلا وقد وسمناه بعوارف يختال في ملابسها ، ويسرّ في كلّ حين بزفاف عرائسها ، ولم نرض في بلّ أرحامهم بمواصلة سلامها دون مواصلة برّها وإدناء مجالسها ؛ ولإخوتنا من ذلك أوفر الأقسام ، كما أنّ لهم منّا رحما هو أقرب الأرحام ؛ وقد أمرنا بتجديد العارفة لأخينا الملك العادل ، الأجلّ ، السيد ، الكبير ، سيف الدين ، ناصر الإسلام « أبي بكر » أبقاه اللَّه . ولو لم نفعل ذلك قضاء لحقّ إخائه الذي ترفّ عليه حواني الأضالع ، لفعلناه جزاء لذائع خدمه التي هي نعم الذّرائع ؛ فهو في لزوم آداب الخدمة بعيد وقف منها على قدم الاجتهاد ؛ وفي لحمة شوابك النّسب قريب وصل حرمة نسبه بحرمة الوداد ؛ وعنده من الغناء ما يحكم لآماله ببسطة الخيار ، ويرفع مكانته عن مكانة الأشباه والأنظار ، ويجعله شريكا في الملك ، والشريك مساو في النقض والإمرار ؛ فكم من موقف وقفه في خدمتنا فجعل وعره سهلا ، وفاز فيه بإرضائنا وبفضيلة التقدّم فانقلب بالمحبّذين إرضاء وفضلا ؛ ويكفي من ذلك ما أبلاه في لقاء العدوّ الكافر الذي استشرى في هياجه ، وتمادى في لجاجه ، ونزل على ساحل البحر فأطلّ عليه بمثل أمواجه ، وقال : لا براح ، دون استفتاح ؛ الأمر الذي عسرت معالجة رتاجه ، وتلك وقائع استضأنا فيها برأيه الذي ينوب مناب الكمين في مضمره ، وسيفه الذي ينسب من الاسم إلى أبيضه ومن اللَّون إلى أخضره ؛ ولقد استغنينا عنهما بنضرة لقبه الذي تولَّت يد اللَّه طبع فضله ، وعنيت يد السّيادة برونق صقله ؛ فهو يفري قلوب الأعداء قبل الأجساد ، ويسري إليهم من غير حامل لمناط النّجاد ، ويستقصي في استلابهم حتّى ينتزع من عيونهم لذّة الرقاد ؛ وليس للحديد جوهر معدنه المستخرج من زكاء الحسب ، وإذا استنجد قيل له : يا ذا المعالي ! كما يقال لسميّه : يا ذا الشّطب ؛ ولو أخذنا في شرح مناقبه لظلّ القلم واقفا على أعواد منبره ، وامتدّ شأو القول فيه فلم ينته مورده إلى مصدره ؛ فمهما خوّلناه من العطايا فإنه يسير في جنب غنائه ، ومهما أثنينا عليه فإنّه سطر في كتاب ثنائه .
وقد جعلنا له من البلاد ما هو مقتسم من الديار المصرية والشاميّة ، وبلاد
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 152
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص١٥٢