تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
أما بعد ، فإنّ لكلّ وسيلة جزاء على نسبة مكانها ، وهي تتفاوت في أوقات وجوبها ومثاقيل ميزانها ؛ ومن أوجبها حقّا وسيلة الهجرة التي طوى لها الأمل من شقّته ما طوى ، وبعث بها على صدق النّية « ولكلّ امريء ما نوى » ؛ فالأوطان إليها مودعة ، والخطوات موسّعة ، والوجوه من برد الليل وحرّ النهار ملفّعة ، وقد توخّاها قوم في زمن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فحظوا في الدّنيا باعتلاء المنار ، وفي الآخرة بعقبى الدار ، وقدّموا على من آوى ونصر فقال تعالى : * ( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ والأَنْصارِ ) * ( 1 ) ؛ ثم صارت هذه سنّة فيمن هاجر من أقوام إلى أقوام ، واستبدل بأنام عن أنام ؛ وكذلك فعلت أيّها الأمير فلان - وفقك اللَّه - وقد تلقّيت هجرتك هذه بالكرامة ، وزخرفت لها دار الإقامة ؛ فما ابتغيت بها بغية إلا سهّلت لك فجاجها ، أو عاج عليك معاجها ، وحمد لديك تأويبها وإدلاجها ، وأصبحت وقد وجدت خفضا غبّ السّرى ، وخيطت منك الجفون على أمن الكرى ، وتبوّأت كنف الدولة التي هي أمّ الدّول إذ صرت إلى القرية التي هي أمّ القرى . ونحن قد أدنيناك منّا إدناء الخليط والعشير ، ورفعناك إلى محلّ الاختصاص الذي هو المحلّ الأثير ، وآخينا بينك وبين عطايانا كما ووخي بين الصّحابة النّبويّة يوم الغدير . هذا ولك وسيلة أخرى تعدّ من حسان المناقب ، وتوصف بالصّفات الأطايب ؛ وما يقال إلا أنها من الأطواد الرّواس ، وأنها تبرز في اللباس الأحمر وغيرها لا يبرز في ذلك اللَّباس ؛ وهي التي تجعلك بوحدتها في كثرة ، وتتأمّر بها من غير إمرة ؛ وطالما أطالت يدك بمناط البيض الحداد ، وفرّجت لك ضيق الكرّ وقد غصّ بهوادي الجياد ، وحسّنتك العيون وقد رميت منك بشرق القذا ونبوة السّهاد ؛ ومن شرف الإقدام أن العدوّ يحبّ العدوّ من أجله ، ويضطرّه إلى أن يقرّ بفضله ؛ ومذ وصلت إلينا وصلناك بأمرائنا الذين سلفت أيّامهم ، وثبتت في
هامش
( 1 ) التوبة / 100 .