تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الجزيرة وديار بكر : ليكون له من كلّ منها حظَّ تفيض يده في أمواله ، ويركب في حشد من رجاله ، ويصبح وهو في كلّ جانب من جوانب ملكنا كالطَّليعة في تقدّم مكانها ، وكالرّبيئة ( 1 ) في إسهار أجفانها . فليتسلَّم ذلك بيد معظَّم قدرا ، ولا يستكثر كثرا ، ويحمل منها رفدها غيثا أو بحرا ؛ وكذلك فليعدل في الرعيّة الذين هم عنده ودائع ، وليجاوز بهم درجة العدل إلى إحسان الصنائع ؛ فإذا أسند هذا الأمر إلى ولاته فليكونوا تقاة لا يجد الهوى عليهم سبيلا ، ولا يحمد الشيطان عندهم مقيلا ، وإذا حمّلوا ثقلا لا يجدون حمله ثقيلا . وقد فشا في هذا الزمن أخذ الرّشوة وهي سحت أمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بنبذه ، ونهى عن أخذه ، وعن الرغبة في تداوله ؛ وهو كأخذ الرّبا الذي قرنت اللَّعنة بمؤكله وآكله . وأما القضاة الذين هم للشريعة أوتاد ، ولإمضاء أحكامها أجناد ، ولحفظ علومها كنوز لا يتطرّق إليها النّفاد ، فينبغي أن يعوّل فيهم على الواحد دون الاثنين ، وأن يستعان منهم في الفصل بذي الأيدي وفي اليقظة بذي اليدين ؛ ومن رام هذا المنصب سائلا فليلمه وليغلظ القول في تجريع ملامه ، وليعرف أنه ممّن رام أمرا فأخطأ الطَّريق في استجلاب مرامه ؛ وأمر الحكَّام لا يتولَّاه من سأله ، وإنما يتولَّاه من غفل عنه وأغفله . وإذا قضينا حقّ اللَّه في هذه الوصايا فلنعطفها على ما يكون لها تابعا ، ولقواعد الملك رافعا ؛ وذاك أنّ البلاد التي أضفناها إليك : فيها مدن ذات أعمال واسعة ، ومعاقل [ ذات ] حصانة مانعة ، وكلَّها يفتقر إلى استخدام الفكر في تدبيره ، وتصريف الزمان في تعميره ؛ فولّ وجهك إليها غير وان في تكثير قليلها ، وترويض مخيلها ، وبثّ الأمنة على أوساطها ، وإهداء الغبطة إلى أفئدة
هامش
( 1 ) الربيئة والربيء : الطليعة الذي يرقب العدو من مكان عال لئلا يدهم قومه .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 153 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين