الناصريّ : زاده اللَّه شرفا ، وضاعف له تصرّفا - أن يفوّض إليه القضاء بمدينة إسكندرية - حماها اللَّه تعالى - على عادة من تقدّمه وقاعدته المستقرّة إلى آخر وقت ، على أنه يستنيب عنه في تحمّله وفيما شاء منه من هو موصوف بصفته ، موثوق بدينه وعلمه ومعرفته ؛ ولينتصب في مجلس الحكم العزيز لمن ينتصف ، وليعمل بما يرضينا من مراضي اللَّه تعالى فإنّ للعيون أن تنظر وللألسنة أن تصف ، ولينظر في أمر الشهود فإنّ الأحكام الشرعية على شهادتهم تبنى ، وليحترز من الوكلاء فإنّ منهم من يجعل الظنّ يقينا واليقين ظنّا ، ولينظر في أمور الأيتام ويتصرّف في أموالهم بالحسنى ، وليقم الحدود ، على مقتضى مذهبه ، وليعوّل في العقود ، على من لا يخاف معه امرؤ على إلحاق في نسبه ، وغير هذا مما إليه مرجعه ، وإليه ينتهي مفترقه ومجتمعه وبحكمه يفصل أمره أجمعه ، وليتخذ اللَّه تعالى عليه رقيبا ، ويعلم أنه سيرى كلّ ما يعمله عند اللَّه قريبا ؛ وتقوى اللَّه هي التي نتخذ معه عليها عهدا مسؤولا ورجاء مأمولا ، وقولا عند اللَّه وملائكته وأنبيائه مقبولا ، ونقلَّده منها على كل مخالف سيفا مسلولا ، ونحن نرغب إلى اللَّه أن يوفّقه في حكمه ، ويعينه على كل ما يملى من الوصايا بما هو مليّ به من عمله وعلمه ، والخط الشريف أعلاه ، حجة فيه .
قلت : وكان قد استحدث بالإسكندرية قاض حنفيّ في الدولة الأشرفية « شعبان بن حسين » يولَّى من الأبواب السلطانية رفيقا للقاضي المالكيّ بها ، يتحدّث في الأحكام في القضايا بمذهبه خاصّة ، وأمر مودع الأيتام ونظر الأوقاف ، وغير ذلك من متعلَّقات قضاء القضاة مختصّ بالمالكي ، ثم صارت بعد ذلك تارة يولَّى بها حنفيّ كذلك ، وتارة تشغر منه . فإن وليها حنفيّ ، كتب له في قطع الثّلث كما يكتب للقاضي المالكيّ ، وليس بها الآن شافعيّ إلا نائبا عن المالكيّ ، ولا حنبليّ بها أصلا .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 407
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص٤٠٧