ولما كان فلان هو الذي خطبته هذه الرتبة السنيّة لنفسها ، وتشوّقت إلى الإضاءة بطلوعه في أفقها تشوّق المطالع إلى الإضاءة بطلوع شمسها ، وأثنى لسان القلم على فضائله وهو يعتذر من الاختصار ، واقتصرت البلاغة على اليسير من التعريض بوصفه وطالب ما لا يحصر معذور في الاقتصاد والاقتصار ، وعيّن لما تعيّن عليه من مصالح الأمة وذلك يقضي لمثله من أهل الورع أن يجيب ، وطلب لعموم مصالح الإسلام التي ما ينبغي لمثله من أنصار السّنّة أن يتأخّر عن مثلها أو يغيب ، وكان ثغر الإسكندرية المحروس من المعاقل التي يفترّ عن شنب النصر ثغرها ، ومن أركان الدين التي يغصّ بأبطالها بحرها ، وهي مأوى صلحاء ( 1 ) الجهاد الذين سهام ليلهم ( 2 ) أسبق إلى العدا من سهامهم ، وموطن العلماء من أهل الاجتهاد الذين يعدل دم الشهداء مداد أقلامهم ؛ وهي داره التي تزهى به نواحيها ، وموطن رباطه الذي يوم وليلة منه في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما فيها - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نخصّ منصب حكمها بعالم أفقها المنير ، وزاهد ثغرها الذي ما شام برقه بصر عدوّ إلا وانقلب اليه خاسئا وهو حسير ، وأن نفوّض إليه منصب القضاء والحكم العزيز بثغر الإسكندريّة المحروس ، على قاعدة من تقدّمه فيه ، نظرا في عموم ذلك الثغر [ المحروس به ] ( 3 ) إلى من انعقد إجماع أئمة عصره ومصره على سعة علمه ووفور ورعه وكمال فضله .
فليباشر هذا المنصب الذي ملاك أمره العلم والتّقى ، ونظام حكمه العدل والورع وهما أكمل ما به يرتقى ، وليحكم بما أراه اللَّه من قواعد مذهبه المحكمة ، وأحكام إمامه التي هي بمصالح الدّين والدنيا محكَّمة ، وليقض بأقوال إمام دار الهجرة التي منها صدرت السنّة إلى الآفاق ، وعنها أخذت ذخائر العلم التي تزكو على كثرة الإنفاق ، وبها حمى الأحكام الدينية موطَّأ الأكناف ، وفيها
هامش
( 1 ) أي صلحاء المتعبّدين .
( 2 ) أي دعواتهم .
( 3 ) كذا بالأصل . وفي الطبعة الأميرية مع علامة توقف .