الوظيفة الثالثة ( بطركيّة اليعاقبة )
( 1 ) وقد تقدّم في الكلام على النّحل والملل الخلف في نسبتهم : فقيل إنهم أتباع ديسقرس ، وإنه كان اسمه في الغلمانيّة يعقوب ، وقيل أتباع يعقوب البردعاني ، وقيل غير ذلك ، والأصحّ عند المؤرّخين الأوّل . وبطركهم يحكم على طائفة اليعاقبة ، وجميع نصارى الحبشة أتباعه ، وفي طاعته ملك الحبشة الأكبر ، وعنه تصدر ولايته .
وهذه نسخة توقيع لبطرك النصارى اليعاقبة :
أما بعد حمد اللَّه الذي أظهر دين الإسلام على الدّين كلَّه ، وأصدر أمور الشرائع عن عقد شرعه وحلَّه ، وصيّر حكم كلّ ملة راجعا إلى حكم عدله ، والشهادة له بالوحدانيّة التي تدلّ على أنه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وليس شيء كمثله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أعظم أنبيائه وأكرم رسله ، وأشرف ولد آدم ونسله ، المصطفى في علم اللَّه من قبله ، ووسيلته في التوراة من غرور الشيطان وخذله ، والذي أطفأ اللَّه ببركته نار نمروذ ( 2 ) عن إبراهيم وجعلها بردا وسلاما وأجلَّه من أجله ، وبشّر به عيسى بن مريم عبد اللَّه ( 3 ) وابن أمته وأقرّ موسى بن عمران كليم اللَّه بفضله ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين من فروع أصله ، وأصحابه سامعي قوله ، وتابعي سبله - فإنّ اللَّه تعالى لما ارتضى
هامش
( 1 ) يدور مذهبهم على القول بأن المسيح هو اللَّه والانسان اتّحدا في طبيعة واحدة هي المسيح . وأكثرهم يذهب إلى أن المسيح جوهر واحد وأقنوم واحد . ( الموسوعة الميسرة : 1982 ) .
( 2 ) وبالدال المهملة أيضا . وهو نمرود بن كنعان بن قوش . ورد ذكره في سفر التكوين . وهو أول جبّار في الأرض . أشار إليه القرآن الكريم في قصة إبراهيم ( ع ) دون ذكر اسمه .
( 3 ) في مثل هذه الأحوال التي تتعلق بأهل الذمّة ، كان على كاتب التوقيع أو التقليد أو الوصيّة أن يشير غالبا إلى بطلان ما يخالف الإسلام في معتقدات النصارى واليهود . وهنا يشير إلى تأكيد الإسلام على أن عيسى ( ع ) هو عبد من عبيد اللَّه ، ورسول من رسله ، وواحد من بني البشر وابن امرأة منهم .