تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
الأضبط ، والمراسيم التي عليهم تشرط ؛ وكان الذي يختار لذلك ينبغي أن لا يكون إلا من أكبر الكهنة وأعلم الأحبار ، وممن عرف من دينهم ما لأجله يصطفى ولمثله يختار ، وممّن فيه سياسة تحجزه عن المضارّ ، وتحجبه عن الاستنفار ، وكان فلان الرئيس هو المتميّز بهذه الأوصاف على أبناء جنسه ، وله وازع من نفسه ، ورادع من حسن حدسه ، وخدمة في مهمّات الدولة يستحقّ بها الزيادة في أنسه ، وهو من بين جماعته مشهور بالوجاهة ، موصوف بالنّباهة ، ذو عبرانيّة حسنة التعبير ، ودراسة لكتب أهل ملَّته على ما فيها من التغيير - اقتضى جميل الاختصاص المنيف ، أن يرسم بالأمر الشريف - لا برح يرقب الإلّ والذّمّة ، ويرعى للمعاهدين الحرمة - أن تفوّض إليه رآسة اليهود الرّبّانيين والقرّائين والسامرة ، على عادة من تقدّمه . فليباشر ذلك مستوعبا أمورهم كلَّها ، مستودعا دقّها وجلَّها ، مباشرا من أحوالهم ما جرت عادة مثله من الرّؤساء أن يباشر مثلها ، غير مفرّط في ضبط ناموس من نواميس المملكة ، ولا مغفل الإنكار على من ( 1 ) يتجاوز ذلك إلى موارد الهلكة ؛ ومن فعل ما يقضي بنقض عهده ، فعليه وعلى مستحسنه له من المقاتلة ما يتّعظ به كلّ من يفعل ذلك من بعده ؛ بحيث لا يخرج أحد منهم في كنيسته ولا في يهوديّته ولا في منع جزيته عن واجب معهود ، ومن خالف فوراء ذلك من الأدب ما تقشعرّ منه الجلود ؛ وما جعلهم اللَّه ذمّة للمسلمين إلا حقنا لدمائهم ، فلا يبحها أحد منهم فتجتمع له شماته أهل الأديان من أعدائهم بأعدائهم - والوصايا كثيرة وإنما هذه نخبتها الملخّصة ، وفيها من حساب الإحسان إليهم ما تغدو به أيّام الإمهال لهم ممحّصة ، واللَّه يوفّقه في كل تصرّف مرغوب ، وتأفف من مثله مطلوب ، بمنه وكرمه ! .
هامش
( 1 ) في الأصل « ممن » والتصحيح من الطبعة الأميرية .