تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
موسى ، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تملأ طروسا ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإن العمل بالسنّة أولى ما يتمسك به المتمسّك ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ابدأ بنفسك » ؛ وكانت الخواصّ الشريفة هي المصلحة الخاصّة بنا ، المتعلَّقة دون كل شيء بأنفسنا ، لأن من خزائنها العالية تتفرّق مواهبنا الشريفة في الوجود ، وتتحلَّى معاطف الأمراء والجنود ، وكان فيها من لم يزل هو وبنوه قائمين بها أحسن قيام ، وفيها من ممالكنا الشريفة ما يضاهي بمدده الغمام ، من حضر منهم لا يتفقّد معه من غاب ، ومن كتب منهم في شيء من مصالحها قال الذي عنده علم من الكتاب ؛ كم أجرت صدقاتنا الشريفة بأقلامهم من إنعام ، وتقسّموا في مصالحنا الشريفة هذا في الخاص وهذا في العامّ ؛ طالما انقطع والدهم رحمه اللَّه تعالى بعذر فمشّوا الأمور على أكمل سداد ، وأجمل اعتماد ، وأتمّ ما لو حضر أبوهم وكان هو المتولَّي لما زاد ؛ فما خلت في وقت منه ، أو من أحد منهم لمّا غاب من بقي يسدّ عنه ؛ فلم يزل منهم ربعها مأنوسا ، ولا سئل فيها عن قصّة إلا وأنبأت بها صحف إبراهيم وموسى . وكان المجلس العالي فلان هو الذي تفرّد آخرا بهذه الوظيفة ، واستقلّ فيها بين أيدينا الشريفة ، وسافر فيها إلى ثغر الإسكندرية - حرسها اللَّه تعالى - فافترّ بيمن تصرّفه ، وحسن تعفّفه ، وعدم فيها المضاهي لأنه لا شيء يضاهى الشمس إذا حلّ سرّها في منازل شرفه ؛ كم كفت له كفاية ، وبدت بداية ، وكم بلغ من غاية ، كم له من همم ، وكم تقدّمت له قدم ، وكم اعترف السيف ببزّ القلم ؛ كم له في خدمة المقامات العالية أولادنا أثر جميل ، وفعل جليّ جليل ، وسلوك فلا يحتاج في الشمس إلى دليل ؛ كم أحسن في مرّة ، كم رددناه إلى الكرك كرّة ؛ كم غلب على السحاب فرقى إليها ، وبلغ النّجوم وله قدوم عليها ؛ فلما انتقل والده القاضي تاج الدين عبد الوهاب إلى رحمة اللَّه تعالى ، احتاج إلى توقيع شريف بالاستقلال في وظيفة نظر الخاصّ الشريف التي خلت عن أبيه ، ليعلم كلّ متطاول إليها أنه لا يصل إليها مع وجود بنيه ؛ فما عاد إلا وعاد