وانتضت ماضي اجتهاده وجرّدته ، وأجرته من إجراء فضلها على ما عوّدته ، واستقلَّت له منائحها من كثير المواهب ما خوّلته ، ومن كبير المناصب ما قلَّدته .
ولما كان فلان هو الذي أودع الأسرار فحفظها ، واطَّلع على الدقائق فرعاها ببصيرته ولحظها ، وباشر مهمّاتنا فأمضاها ، وسرّ خواطرنا وأرضاها ، وظهرت منه بين أيدينا كفاية لا تضاهى ، وقلَّد أجياد أوليائنا من تقاليده عقودا ، وأدنى من المقاصد بلطف عبارته بعيدا ، وأغنى الدولة أن تجهّز جيشا وجهّز بريدا ، وأبان بمقاله عمّا في أنفسنا فلم يبق مزيدا ، وصان الأسرار فجعل لها في خلده خلودا ، وجمع أشتات المحاسن فأضحى فريدا ؛ كم لعمّه ( 1 ) في خدمتنا من هجرة قديمة ، ولأبيه من موالاة هي للمخالصة مواصلة ومديمة ، وكم لهما أسباب في الرياسة قويّة وطرائق في الهداية قويمة ، وكم كاتب يسّر اللَّه بهداهما تعليمه وتفهيمه ، وقدّر على يديهما وصوله إلى رتب العلياء وتقديمه ، فمنفعتهما عميمة ، ونبعتهما صميمة ، ولهما في الشام ومصر أجمل شيمة ، وكم له هو أيضا من تقدّمات اقتضت تكريمه ، وكفاية عند علومنا الشريفة معلومة ، وكتابة حلل المهارق بوشيها مرقومة ؛ فلو قابله الفاضل « عبد الرحيم » لبادر إلى فضله إقراره وتسليمه ، أو « عبد الحميد » لكانت مناهجه الحميدة بالنسبة إلى مذاهبه ذميمة ، أو سمع « عبد الرحمن » مقاله لضمّن ألفاظه معانيه العقيمة ، أو أدركه « قدامة » لعرف تقديمه ، واقتدى بسبله المستقيمة ، أو حوى « الجوهريّ » فرائد ألفاظه لعرف أنّ صحاحه إذا قرنت بها سقيمة ، أو رأى « ابن العديم » خطَّه لاستغنت منه بسلاسل الذّهب نفسه العديمة ، أو « الوليّ » لاستجدى من صوب إجادته أغزر ديمة ، أو نظره « ابن مقلة » لوجدت مقلته نضرة خطَّه ونعيمه ، أو « ابن البوّاب » لكان خدين بابه وخديمه ؛ فهم ( 2 ) صدور صدورهم سليمة ، وأماثل
هامش
( 1 ) أي القاضي شرف الدين ، عبد الوهاب بن فضل اللَّه العمري .
( 2 ) المشار إليهم سابقا من أجلَّة الكتاب المنشئين البلغاء وهم : القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي المتوفى سنة 596 ه ؛ كان من وزراء صلاح الدين ومن أئمة الكتاب - وعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر ملوك بني أميّة المتوفى سنة 132 ه - وقدامة بن جعفر صاحب كتاب « نقد الشعر » المتوفى سنة 337 ه - وإسماعيل بن حماد الجوهري صاحب « صحاح اللغة » المتوفى سنة 393 ه - وابن العديم ، عمر بن أحمد بن هبة اللَّه ، المؤرخ المحدث الكاتب المتوفى سنة 660 ه - والوليّ هو وليّ الدولة أحمد بن علي بن خيران ، صاحب ديوان الإنشاء للظاهر ثم للمستنصر ، والمتوفى سنة 431 ه - وابن مقلة هو محمد بن علي بن الحسين ، الوزير الشاعر الأديب مضرب المثل بحسن الخط ، المتوفى سنة 328 ه - وابن البواب علي بن هلال المتوفى سنة 423 ه ، وهو الخطاط المشهور الذي هذّب طريقة ابن مقلة - ولم نتيقن من المقصود بعبد الرحمن . ( تجد ترجمة هؤلاء جميعا في أعلام الزركلي ووفيات ابن خلكان ) .