تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
مستحقّها كما تأرز الحيّة إلى جحرها . ولما كان المجلس العاليّ ، القاضويّ ، ( إلى آخر ألقابه ) أعزّ اللَّه تعالى أحكامه هو الذي حمدت في القضاء آثاره ، وسارت بحسن السّيرة في الآفاق أخباره ، وحسن بحسن تأتّيه في الورد والصّدر إيراده وإصداره ، وتنافس في جميل وصفه الطَّرس والقلم ، وظهرت فضائله ( ظهور نار القرى ليلا على علم ) ، ونشرت الأيّام من علومه ما تطوى إليه المراحل ، وجادت مواطر فكره بما يخصب به جناب المربع الماحل ، وعمرت من منصب القضاء بولايته معاهده ، وجرت بقضايا الخير في البدء والعود عوائده ، ونفذت بنفاذ أوامره في الوجود أحكامه ، ورقم في صحائف الأيّام على توالي الدّهور نقضه وإبرامه ، وسجّل بثبوت أحقّيّته فانقطعت دون بلوغ شأوه الأطماع ، وحكم بموجب فضله فانعقد على صحّة تقدّمه الإجماع ؛ ففرائد فوائده المدوّنة تؤذن بالبيان والتحصيل ، ومقدّمات تنبيهاته المحقّقة ، تكفي نتائج إفضالها عن الإجمال والتفصيل ، وجواهر ألفاظه الرائقة ، نعم الذخيرة التي تقتنى ، ومدارك معانيه الفائقة ، حسبك من ثمرة فكر تجتنى ، وتهذيب إيراداته الواضحة تغني في إدراكها عن الوسائل ، وتحقيق مسائله الدقيقة تحقّق فيها أنها عيون المسائل - وكانت وظيفة قضاء قضاة المالكية بالديار المصرية في رفيع رتبتها ، ووافر حرمتها ، قد ألقت إليه مقاليدها ، ورفعت بالانتماء إلى مجلسه العالي أسانيدها ، وعرفت محلَّه الرفيع فتعلَّقت منه بأعزّ منال ، وحظيت بجماله اليوسفيّ المرّة بعد الأخرى فقالت : لا براح لي عن هذا الجمال ، وعجمت بتكرّر العود عوده فأعرضت عن السّوى ، وقرّت بالإياب إليه عينا « فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى » - اقتضى حسن الرأي الشريف أن نعيد الوظيفة المذكورة إليه ، ونعوّل في استكشاف مشكلات الأحكام على ما لديه ، إقرارا للأمر في نصابه ، وردّا له بعد الشّراد إلى مثابه ، وإسعافا للمنصب بطلبته وإن أتعب غيره نفسه في طلابه . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال يبديء المعروف ويعيده ، ويوفّر نصيب الأولياء ويزيده - أن يفوّض إلى المجلس العالي المشار إليه قضاء القضاة
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 190 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين