تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
الحمد للَّه الذي أطلع في أفق الدّين الحنيف شمسا منيرة ، ورفع درجة من جعله من العلم على شريعة ومن الحكم على بصيرة ، وقلَّد أمور الأمة لمن يعلم أنّ بين يديه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ووفّق لفصل القضاء من مشى على قدم أقدم الأئمة فسار في مذهبه المذهب أحسن سيرة ، الذي أدّخر للحكم في أيّامنا الشريفة من نفائس العلماء أفضل ذخيرة ، وقضى بإرجاء أمره لنختار له من تحلَّى به بعد العطل ( 1 ) وكلّ قضاء خيرة ، وأيقظ عنايتنا لمن رقد الدهر عن فضله فباتت عين الاستحقاق باستقرار رتبته قريرة . نحمده حمد من توافت إليه النّعم الغزيرة ، وتوالت عليه المنن الكثيرة في المدد اليسيرة ، وأخصبت في أيامه رياض الفضائل فهي بكلّ عالم عدم النظير نضيرة ، وافتتح دولته برفع منار العدل فآمال أهل الظلم عن تعاطيه قاصرة وأيدي أهل الباطل عن الامتداد إليه قصيرة ، وخصّ المناصب في ممالكه بالأكفاء فإذا تلبّست بها همم غيرهم عادت خاسئة أو امتدت إليها أبصار من دونهم رجعت حسيرة . ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تصلح العلن والسريرة ، وتصبح بها القلوب موقنة والألسن ناطقة والأصابع مشيرة ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعث اللَّه به الرسل مخبرة وأنزل الكتب بمبعثه بشيرة ، واجتباه من خير أمّة من أكرم أرومة وأشرف عشيرة ، وأظهر أنوار ملَّته إلا لمن أعمى الغيّ بصيرته وهل ينفع العمي شمس الظَّهيرة ، وخصّه بالأئمة الذين وفقهم للاستعانة بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ، وجعل علماءهم ورثة الأنبياء فلو ادّعيت لأحكامهم العصمة لكانت بذلك جديرة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتقرّب بدوامها إلى اللَّه فيضاعفها لنا أضعافا كثيرة ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى الأمور بأن تشاد قواعده ، وتتعهّد معاهده ، ويعلى مناره ،
هامش
( 1 ) العطل : فقدان الحلي . ( اللسان : 11 / 454 ) .