تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
واغتدى ، وموضّح طريقه لمن اقتاد واقتدى ، ومزيّن سمائه بنجوم تستمدّ الأنوار من شمس الهدى ، الذي أعذب لشرعة الشريعة المحمّدية ينبوعا ، وأقامها أصلا مدّ بثمار الرّشد فروعا . نحمده على نعمه التي ألزمتنا لتشييد مبانيها شروعا ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا ، ونصلَّي على سيدنا محمد الذي أرسله اللَّه إلى الخلائق جميعا ، وقام بعبء الأمر يصنع حسنا ويحسن صنيعا ، صلى اللَّه عليه وعلى آله صلاة لا يبرح برقها ملموعا ، ولا ينفكّ وترها ( 1 ) بالتسليم مشفوعا . وبعد ، فإنّ أحقّ من جدّد له شرف التقريض ، وخلَّد له إرضاء الأحكام وإمضاء التفويض ، وريش جناحه وإن لم يكن المهيض ، وفسّح مجاله وإن كان الطويل العريض ، ورفع قدره على الأقدار ، وتقسّمت من سحائبه الأنواء ومن أشعّته الأنوار ، من غزر مدّه فجرت منه في رياض الحقّ الأنهار ، وغدا تخشع لتقواه القلوب وتنصت لقوله الأسماع وترنو لمحيّاه الأبصار ، قد أوفد من إرشاده للأمة لطفا فلطفا ، وأوقد من علمه جذوة لا تخبو وقبسا بالهوى لا يطفى ، وفات النّظراء والنّظَّار فلا يرسل أحد معه طرفا ولا يمدّ إليه من حيائه طرفا ، واحتوى من علوم الشريعة على ما تفرّق في غيره ، وغدا خير دليل إلى الحقّ فلا يقتدى في المشكلات إلا برأي اجتهاده ولا يهتدى في المذاهب إلا بسيره ، وكان لفلك الشريعة المحمّدية قطبا ، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا ( 2 ) ؛ ولدليلها برهانا ، ولإنسانها عينا ولعينها إنسانا ؛ فكم أرضى بني الأنام عن الأيام ، وكم أغضى حياء مع قدرته على الانتقام ، وكم أمضى للَّه حكما لا انفصال لعروته ولا انفصام ، وكم قضى بالجور في ماله وبالعدل في الأيتام ؛ فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعدّيه ، ولم يداجه لما ستره عليه من تعدّيه في دياجيه ؛ فهو
هامش
( 1 ) الوتر : الفرد ، والشّفع : الزوج . ( 2 ) سوار قلب : الذي يكون نظما واحدا .