تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
ويقف من مذهب ابن ثابت ( 1 ) ، على أثبت قدم وينتمي من فقه النّعمان إلى فرع زاك وأصل ثابت ، وينشر من أحكامه ما إن وافق الأئمة فهو حجّة قاطعة ومحجّة ساطعة ، أو خالفهم بمذهبه فهو رحمة واسعة ، ونعمة وإن كانت بين الطَّرق فارقة فإنها على الحق جامعة . ولما كان فلان هو المنتظر لهذه الرتبة انتظار الشمس بعد الغسق ، والمرتقب لبلوغ هذه المنزلة التي تقدّمت إليها بوادر استحقاقه في السّبق ، والمعطوف على من وصف من الأئمة وإن تأخّر عن زمانه عطف النّسق ؛ وهو الذي ما دام يعدل دم الشهداء مداد أقلامه ، وتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع من نقل خطواته في طلب العلم وسعي أقدامه ، ودخل من خشية اللَّه تعالى في زمرة من حصر بإنّما ( 2 ) ، وهجر المضاجع في طاعة اللَّه لتحصيل العلم فلو عدّت هجعاته لقلَّما ، وهجّر في إحراز الفضائل فقيّد أوابدها ، وأحرز شواردها ، ولجّج في بحار المعاني فغاص على جواهرها ، ونظر نظرة في نجوم العلوم فاحتوى على زهرها وراد خمائل الفضائل فاستولى على أزاهرها ، وانتهى إليه علم مذهبه فبرّز على من سلف ، وجارى علماء عصره فوقفت أبصارهم عن رؤية غباره وما وقف ، ونحا نحو إمامه فلو قابله يعقوب مع معرفته في بحث لانصرف ، وتعيّن عليه القضاء وإن كان فرض كفاية لا فرض عين ، وقدّمه الترجيح الذي جعل رتبته همزة استفهام ورتبة غيره بين بين - اقتضى رأينا الشريف اختصاصه بهذا التمييز ، والتنبيه على فضله البسيط بهذا اللفظ الوجيز . فلذلك رسم أن يفوّض إليه كيت وكيت . فليتولّ هذه الرتبة التي أصبح فيها عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم نائبا وبشرعه قائما ، ويتقلَّدها تقلَّد من يعلم أنه قد أصبح على حكم اللَّه مقدّما وعلى اللَّه قادما ، ويتثبّت تثبّت من يعتصم باللَّه في حكمه فإنّ أحد الخصمين قد يكون ألحن بحجّته وإن كان ظالما ، ويلبس لهذا
هامش
( 1 ) لعل المقصود أبو حنيفة النعمان ، فهو ابن ثابت بن زوطى . ( ابن خلكان : 5 / 405 ) . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ .