تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
يده ، وإبقاء وديعة هذا الأمر العظيم إلى صونه وعونه وتشدّده ، وإيفاء جنابه إلى حميد هذه الغاية التي هي للمناسبة مناسبة لسؤدده . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال يجمع شمل الإسلام بتعيّنه وتفرّده ، ويرجع أمر الأنام منه إلى مأمون الرأي رشيده سفّاح السّيف مهنّده ، منصور العزم مؤيّده ، ويوسع الخليفة إذا وليهم بالرأفة والرحمة ومن أولى من أبي بكر بأن يخصّ أصحاب محمد عند الخلافة بإعذاب منهل الجود ومورده - أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الإسلامية - أعلاها اللَّه تعالى - نيابة شاملة محيطة ، كاملة بسيطة ، تعني كلّ أمير ومأمور ، وتدني أمرها الذي يعامل بالإجلال ويقابل بالسّرور ، برّا وبحرا ، وسهلا ووعرا ، غورا ونجدا ، بعدا وقربا ، شرقا وغربا ، وما منحه اللَّه تعالى لوالدنا الناصر من الممالك ويدّخر لسلطاننا المنصور ويخبى : تستوعب أمر ما نأى من هذه الأقاليم ودنا ، وتجب طاعته فيها على كلّ من كان مؤمنا ، ويمتثل في ذلك كلَّه أمره ، وتعمل فيه الرويّة فيجمل فكره ، ويؤمّل فيه فتحه ونصره ، وينقل به مدحه وشكره ، ولا ينفصل منحه وبرّه ناظرا في هذه النيابة الشريفة بفكره التامّ ، سائرا فيها السير الجميل من الدّربة والإلهام ، ناشرا ظلال المعدلة على من سار أو أقام ، مظاهرا بجنابه منّا أجلّ مقام . ونحن وإن كنا نتحقّق من خلاله الحسنى كلّ وصف يسنى ، ونثق منه بذي الصدر السليم الذي هو على المقاصد يعان وبالمحامد يعنى ، فلسنا نخلّ بالوصية التي نعلم أنّ له عنها استغنا ، ولكننا لا نترك بها التبرّك ولا ندع ما سنّ اللَّه تعالى منها وشرع ، ولا نغفل ما يجب به أن يحتفل ؛ فقد وصّى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه ، وأمضى أمره المسموع كلّ ذي رجوع إلى اللَّه تعالى منهم وإنابة ، فقد أولاه اللَّه تعالى كلّ جميل قبل أن ولَّاه ، وحلَّاه بالسّمات والمكرمات قبل أن رفع علاه ، وأعطاه ما أرهب العدا من سطاه ، وهداه إلى كلّ رشد تأتمّ به الهداة . فأهمّ ذلك تقوى اللَّه تعالى وهو عليها مجبول ، وأمرها عنده متلقّى بالقبول ، والعدل فهو منه مأمول ، والاتّصاف بالإنصاف فهو دأبه فيما يفعل