تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
على ما عمّ صلاحه عموم الهواء ، ويفاوض حضرته فيما يستخلص الضمائر بما يرفع فيه من صالح الدعاء . ولمّا انتهى إلى أمير المؤمنين ميزة ثغر الإسكندرية - حماه اللَّه تعالى - على غيره من الثّغور ، فإنه خليق بعناية تامة لا تزال تنجد عنده وتغور : لأنه من أوقى الحصون والمعاقل ، والحديث عن فضله وخطير محلَّه لا تهمة فيه للراوي والناقل ، وهو يشتمل على القرّاء والفقهاء ، والمرابطين والصّلحاء ، وأن طالبي العلم من أهله ومن الواردين إليه ، والطارئين عليه ، متشتّتو الشّمل ، متفرّقو الجمع - أبى أمير المؤمنين أن يكونوا حائرين متلدّدين ( 1 ) ، ولم يرض لهم أن يبقوا مذبذبين متبدّدين ؛ وخرجت أوامره بإنشاء المدرسة الحافظيّة بهذا الثغر المحروس بشارع المحجّة منّا عليهم وإنعاما ، ومستقرّا لهم ومقاما ، ومثوى لجميعهم ووطنا ، ومحلَّا لكافّتهم وسكنا ؛ فجدّد السيد الأجل الأفضل أدام اللَّه قدرته الرغبة إلى أمير المؤمنين في أن يكون ما ينصرف إلى مؤونة كل منهم والقيام بأوده ، وإعانته على ما هو بسبيله وبصدده : من عين وغلة ، مطلقا من ديوانه ، واسترفد أمير المؤمنين المثوبة في ذلك فأجابه جريا على عادة إحسانه ، واستقرّت التقدمة في هذه المدرسة لك أيها الفقيه الرشيد جمال الفقهاء أبو الطاهر : لنفاذك واطلاعك ، وقوّتك في الفقه واستضلاعك ، ولأنك الصدر في علوم الشريعة ، والحالّ منها في المنزلة الرفيعة ، والمشتغل الذي اجتمع له الأصول والفروع ، ومن إذا اختلف في المسائل والنوازل كان إليه فيها الرّجوع ؛ هذا مع ما أنت عليه من الورع والتّقى ، وأنّ مجاريك لا يكون إلا ناكصا على عقبه مخفقا ؛ وأمر أمير المؤمنين أن تدرّس علوم الشريعة للراغبين ، وتعلَّم ما علَّمك اللَّه إيّاه لمن يريد ذلك من المؤثرين والطالبين ؛ وخرج أمره بكتب هذا المنشور بذلك شدّا لأزرك ، وتقوية لأمرك ورفعا لذكرك ؛ فأخلص في طاعة اللَّه سرّا وجهرا ، فإنه تعالى يقول في كتابه : * ( ومَنْ يَتَّقِ ) *
هامش
( 1 ) متلددين أي حائرين .