تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
بدت أنامل الأسنّة ، مباشرا للصّفاح ، إذا ذعرت لها النفس المطمئنّة ، جديرا أن يردّ الخيل المغيرة تدمى نحورها ، وتمدحك وتذمّها الجراح التي اشتملت عليها ظهورها ، وسما للأعداء سيوفك فعندك غمودها وفيهم صدورها - رأينا بما آتاه اللَّه من رأي لا يستأخر أن يستخير ، ونظر يستمرّ أن يمتاح من موارد الرّشاد ويستنير ، ما خرج به أمرنا من ولايتك لثغر الإسكندرية بعد أن طالعنا مولانا صلوات اللَّه عليه بما رأينا ، واسترشدنا بميامن إمضائه ما أمضينا ، وفاوضناه فيما فوّضناه إليك وأفضينا ، وقضينا حقّ الخدمة فيما استمطرنا من صوب واقتضينا ، إذ كان اللَّه قد خصّ خلاله بمواتاة الأقدار ، ووقف الميامن على ما يمضيه ويوقفه من أعنّة الإيراد والإصدار ، وجعل الخيرة فيما يختار ، والحقّ دائرا حيث دار ، وأخلص للأولياء المستشعرين بولائه بخالصة ذكرى الدار ، وجعل رأيه قطبا في سماء الخلافة عليه في مصالح خلق اللَّه المدار ، فصحّح ما عرضناه على مقام خلافته وصوّبه ، وناجته بديهة الإلهام بما أغنته عمّا صعّد فيه المستشير وصوّبه ، وخرج إلينا بأن يمضى لك هذا الأمر ، ويفوّض إليك هذا الثغر ؛ فلتقابل هذه النعمة بشكر يوجب استيفاء باقيها ، واعتداد يمهّد درجات مراقيها ، متنجّزا وعد اللَّه لمستوفيه بإيلاء المزيد ، الجدير بإحالته من حالة التقليد إلى حالة التّخليد ، جاعلا تقوى اللَّه حجته فيما يقطعه ويصله ، وعمدته فيما يمنعه ويبذله ، قال اللَّه سبحانه في كتابه الذي فضّله على كل كتاب : * ( وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الأَلْبابِ ) * ( 1 ) ؛ ولا تجعل في حكمك بين الخصماء فرقا وإن عدل أحدهما ، وليكن على الحق الذي لا مفاضلة فيه مقعدهما عندك وموردهما ، وانتصف للمظلوم من الظالم ، واعمل في ذلك عمل من لا تأخذه في اللَّه لومة لائم ، وأقم الحدود متحرّيا ، وأمضها إمضاء من لا يزال بعين طاعة اللَّه متحلَّيا ، ونفّذها غير مكثر ولا مقلّ ، فإن المكثر متعدّ والمقلّ مخل . وقد علمت ما للقاضي من التّقدمة الشهيرة ، والرّتبة الأثيرة ، والمساعي التي هي بألسنة الحمد مأثورة ، والأقوال التي هي في صحائف حسن
هامش
( 1 ) البقرة / 197 .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 455 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين