تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
فمن المكتتب عن الوزير في الدولة الفاطمية لأصحاب السّيوف نسخة سجل بولاية الإسكندرية من إنشاء القاضي الفاضل رحمه اللَّه ، وهي : من عدّ من الأولياء الأماثل ، ووجد عند الانتقاد قليل المماثل ، وتوسّل بالحسنات التي يقبل عنده منها تشفيع الوسائل ، وتقبل السفارة له الشاملة الاستحقاق الذي يغني عن المسائل ، ولطف فكره لاقتناء الشّيم الموجبة لارتقاء الدرجات الجلائل ، وألقت الرّتب قناعها له عند الكفء الذي يقدّم لها أفضل مهور الحلائل ، وأسفرت مواقف الغناء منه عن الهزبر الشهم واللَّوذعيّ الحلاحل ( 1 ) ، وأفرج له الكفاة عن صدور المنازل الرفيعة فلم يكن بينه وبينها حائل ، واستقلّ بعظيم ما يفوّض إليه فلم تحمل الأقوام ما هو حامل ، واتّسع مجال كفايته في كلّ أمر يضيق بالمباشر ضيق كفّة الحابل ( 2 ) ، وتتبّع آثار الخلل بعزماته تتبّع الغيث آثار الدّيار المواحل - كانت الولايات الجليلات له من المعدّ المدّخر ، وقرّبت عليه منازل الآثار التي يتجمّل بها ويفتخر . ولمّا كان الأمير جامعا لما أفيض فيه من هذه الصّفة ، وموصوفا بها من كلّ لسان صادق ونية منصفة ، جارية على غيره مجرى النكرة ومستندة إليه استناد المعرفة ، مشتملا على خلال كغرائب المكارم مستوفية متألَّفة ، كلفا بالشّيم الحميدة إذا افتضحت بها الشّيم المتكلَّفة ، قمنا أن يوفّي فيقرض سعيه إذا اقترضت المساعي المتسلَّفة ، نهّاضا بالمصاعب عندما تختلف في إعطائها العزائم المتخلَّفة ، آويا من رجاحته إلى المعقل الحريز والحصن الحصين ، حاويا لفضائل حسنة منها الفتك الجريّ والرأي الرّصين ، مقدما على الأهوال إذا تغلَّقت وجوهها غبرا ، مصرّا على الخطرات حتى يظنّه الغمر غمرا ، مصافحا للرماح ، إذا
هامش
( 1 ) الهزبر : الضخم الصلب ؛ ويطلق اللفظ على الأسد . واللوذعيّ الحلاحل : اللَّسن الذكيّ السيد في عشيرته ؛ ولا يقال الحلاحل في النساء . قال امرؤ القيس :يا لهف نفسي إن خطئن كاهلا القائلين الملك الحلاحلا( أنظر اللسان : 11 / 174 ) . ( 2 ) الحابل : الصائد بالحبالة ، وهي المصيدة .