والطف ، وابسط لهم وجهك وأقبل إليهم واعطف ، فقد سمعت قول اللَّه تعالى لسيد المرسلين : * ( واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * ( 1 ) ، ولا تفسّح لأحد منهم في التطاول بالدين ، ولا الإضرار بأحد من المعاهدين والذّمّيّين ، وميزّهم بالتواضع الذي هو حلية المؤمنين ؛ وإذا ألبس عليك أمر وأشكل ، وصعب لديك مرام وأعضل ، فأنهه إلى حضرة الإمامة متّبعا قول اللَّه تعالى : * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * * ( 2 ) ، وقوله : * ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) * ( 3 ) :
ليخرج إليك من بصائر توقيفها ، ومراشد تعريفها ، ما يقفك على مناهج الحقيقة ، ويذهب [ بك ] ( 4 ) في لاحب الطَّريقة ، واقبض ما يحمله المؤمنون لك من الزكاة والجزى ( 5 ) والأخماس والقربات وما يجري هذا المجرى ، وتتقدّم إلى كاتب الدعوة بإثبات أسماء أربابه ، واحمله إلى أمير المؤمنين لينتفع مخرجوه بتنقيله له ووصوله إليه ، وتبرأ ذممهم عند اللَّه منه ، واستنب عنك في أعمال الدعوة من شيوخ علم الحكمة ومن تثق بديانته ، وتسكن فيه إلى وفور صناعته ، واعهد إليهم كما عهد إليك ، وخذ عليهم كما أخذ عليك ، واستطلق لهم من فضل أمير المؤمنين ما يعينهم على خدمته ، ويحمل ثقلهم عن أهل دعوته ، واستخدم كاتبا ديّنا أمينا مؤمنا بصيرا عارفا ، حقيقا بالاطلاع على أسرار الحكمة التي أمر اللَّه بصيانتها وكتمانها عن غير أهلها ، نقيّا حصيفا لطيفا ، ينزلهم في مجلسك بحسب مراتبهم من العلم والدين والفضل .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فتدبّره متبصّرا ، وراجعه متدبّرا ، وبه الوصايا
هامش
( 1 ) الشعراء / 315 .
( 2 ) النحل / 43 .
( 3 ) النساء / 59 .
( 4 ) الزيادة يقتضيها السياق .
( 5 ) جمع جزية .