تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
بالمعزّيّة القاهرة ، وصن أسرار الحكم إلا عن أهلها ، ولا تبذلها إلا لمستحقّها ، ولا تكشف للمستضعفين ما يعجزون عن تحمّله ، ولا تستقلّ أفهامهم بتقبّله ، واجمع من التبصّر بين أدلَّة الشرائع والعقول ، ودلّ على اتصال المتل بالممنون ( 1 ) ؛ فإن الظواهر أجسام والبواطن أشباحها ، والبواطن أنفس والظواهر أرواحها ، وإنه لا قوام للأشباح إلا بالأرواح ، ولا قوام للأرواح في هذه الدار إلا بالأشباح ، ولو افترقا لفسد النّظام ، وانتسخ الإيجاد بالإعدام . واقتصر من البيان ، على ما يحرس في النفوس صور الإيمان ، ويصون المستضعفين من الافتتان ، وانههم عن الإثم ظاهره وباطنه ، وكامنه وعالنه ، فإن اللَّه تعالى يقول : * ( وذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وباطِنَه ) * ( 2 ) . واتّخذ كتاب اللَّه مصباحا تقتبس أنواره ، ودليلا تقتفي آثاره ، واتله متبصّرا ، وردّده متذكَّرا ، وتأمّله متفكرا ، وتدبّر غوامض معانيه ، وانشر ما طوي من الحكم فيه ، وتصرّف مع ما حلَّله وحرّمه ، ونقضه وأبرمه ، فقد فصّله اللَّه وأحكمه ، واجعل شرعه القويم الذي خصّ به ذوي الألباب ، وأودعه جوامع الصلوات ومحاسن الآداب ، سببا تتّبع جادّته ، وتبلغ في الاحتجاج محجّته ، وتمسّك بظاهره وتأويله ومثله ، ولا تعدل عن منهجه وسبله ، واضمم نشر المؤمنين ، واجمع شمل المستجيبين ، وأرشدهم إلى طاعة أمير المؤمنين ، وسوّ بينهم في الوعظ والإرشاد ، واللَّه تعالى يقول في بيته الحرام : * ( سَواءً الْعاكِفُ فِيه والْبادِ ) * ( 3 ) ، وزدلهم من الفوائد والموادّ على حسب قواهم من القبول ، وما يظهر لك من جودة المحصول ، ودرّجهم بالعلم ووفّ المؤمن حقّه من الاحترام ، ولا تعدم الجاهل عندك قولا سلاما كما علَّم ربّ السلام ، وتوخّ رعاية المؤمنين ، وحماية المعاهدين ، وميّزهم من العامّة بما ميّزهم اللَّه من فضل الإيمان والدين ، وألن لهم جانبك واحن عليهم
هامش
( 1 ) الممنون من الناس والمتلّ بمعنى واحد ، أي القوي الشديد . ( 2 ) الأنعام / 120 . ( 3 ) الحج / 25 .