وأقويائهم ؛ على أنه سبحانه قد وعدهم عن بذل الأنفس في مجاهدة الملحدين ، وإبادة المشركين ، الجزاء الجسيم ، والنعيم المقيم ، والبقاء الذي لا يعتوره فناء ، والجذل الذي لا يعترضه انقضاء .
وقدّم على الأساطيل والمراكب الحربيّة وأعمالها ورجال البحر من تختاره لذلك من أماثل الأمراء المشهورين بالشّدّة والنّجدة ، والبصارة والمهارة والخبرة بشقّة البحر والقتال فيه ، ومره بالتّسحيل ( 1 ) وملازمة السّيف والإرساء من الشّطوط بحيث يتأمّل مضاربك ، ليكون ما حمل عليها من ميرة وعدّة قريبا منك ؛ فإن نازلت ثغرا من ثغور الساحل فاملأه بالخيل من برّه ، وبالسفائن من بحره ، واستخدم لحفظ ما فيها من الأزواد والأسلحة والعدد والنّفط ودهن البلسان والحبال والعرّادات ( 2 ) وغيرها من الآلات من تثق بأمانته ومعرفته ، وتقدّم إليهم بالحوطة على ما يخرجونه من العواري ( 3 ) واسترجاعه بعد الغنى عنه ، واستظهر بذلك استظهارا يحمد موقعه لك ، ويعرف به رصين رأيك ، وسديد مذهبك . واستخلص لمجالستك من أهل الأصالة والحزم ، والرّجاحة والفهم ، والدّراية والعلم ، والتجارب في ممارسة الحروب ، وملابسة الخطوب ، من ترجع إلى رأيه فيما أشكل ، وتعتمد على تجربته فيما أعضل ؛ ولا تستبدّ برأيك فإنّ الاستبداد يعمّي المراشد ، ويبهم المقاصد .
ولمّا كانت الشّورى لقاح الأفهام ، والكاشفة لغواشي الإبهام ، أمر اللَّه تعالى بها نبيّه عليه السلام فقال : * ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * ( 4 ) .
هامش
( 1 ) أي مقاربة الساحل .
( 2 ) العرادات : واحدتها عرّادة ، وهي من آلات الحرب ، أصغر من المنجنيق ، ترمي بالحجارة المرمى البعيد . ( التعريف بمصطلحات الصبح : ص 242 ) .
( 3 ) العواري : مفردها عارة وعارية ، وهي ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك . يقال : كل عارة مستردّة .
( 4 ) آل عمران / 159 .