ولا تشاور جبانا ولا مثبّطا عن انتهاز الفرصة الممكنة ، ولا متهوّرا يحملك على الغرّة المهلكة ، وتأنّ في الآراء فإنّ التأنّي يجمّ ( 1 ) الألباب ، ويجلو وجه الصواب ، ويقلَّص سجوف الارتياب ، واضرب بعض الآراء ببعض وسجّلها ، وأجل فكرك فيها وتأمّلها ؛ فإذا صرّحت عن زبدتها ، وانشقّت أكمامها عن ثمرتها ، فأمض صحيحها ، واعتمد نجيحها ؛ وإذا استوى بك وبالعدوّ مرحى ( 2 ) الحرب فحرّقهم بنار الطَّعن ، وأذقهم وبال أمرهم ، وعاقبة كفرهم ، ولا ترقّ لهم واتّبع ما أمر اللَّه تعالى به في الغلظة عليهم ، فإنه يقول : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُوا أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ ) * ( 3 ) ؛ فإن جنحوا للسّلم والموادعة مصانعين ، فقابل بالقبول ، فإن اللَّه تعالى يقول : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * ( 4 ) . وابذل الأمان لمن طلبه ، واعرضه على من لم يطلبه ، وف لمن تعاهده بعهده ، وأثبت لمن تعاقده على عقده ، ولا تجعل ما تفرطه من ذلك ذريعة إلى الخديعة ، ولا وسيلة إلى الغيلة : فإن اللَّه سبحانه وتعالى يقول : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) * ( 5 ) ، ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « الناس عند شروطهم » ، وإذا أعانك اللَّه على افتتاح معاقل المشركين ، واستضافته إلى ما بأيدي المسلمين ، فارفع السيف عن قاطنيه ، واعتمد اللَّطف بالمقيمين فيه ، وادعهم إلى الإسلام ، واتل عليهم ما وعد اللَّه به أهله من كريم المقام ؛ فمن أجابك إلى استشعار ظلَّه ، والاعتصام بحبله ، فافرض له ما تفرضه لإخوانك في الدّين ، واضمم إليهم من علماء المسلمين من يبصّرهم ويرشدهم ، ويثقّفهم ويسدّدهم ، وخيّر من آثر المقام على دينه بين تأدية الجزية ، والاستعباد والمملكة ؛ فإن أدّوا الجزية فأجرهم مجرى أهل الذمّة المعاهدين ، وخصّهم من الرّعاية بما أمر به في الدين ، وإن أبوا ذلك فإن اللَّه تعالى قد أباح
هامش
( 1 ) أجمّ النفس : أراحها .
( 2 ) أي المكان الذي تدور عليه رحى الحرب .
( 3 ) التوبة / 123 .
( 4 ) الأنفال / 61 .
( 5 ) المائدة / 1 .