تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
دماء رجالهم ، واستعباد ذراريّهم ونسائهم ، وابتن بالمعقل مسجدا جامعا يجمّع فيه بالمسلمين ، ويخطب على منبره لأمير المؤمنين ، وارفع منارته حتّى تعلو على كنائس المشركين ، وانصب فيه إماما يؤدّي الصلاة في أوقاتها ، وخطيبا مصقعا يخطب الناس ويعظهم ، ومكبّرين يدعون إلى الصلوات ، وينبّهون على حقائق الأوقات ، وقوّاما وخدّاما يتولَّون تنوير مصابيحه ، وتعهّد تنظيفه وفرشه ، وأطلق لهم من الأرزاق والجرايات ما يبعثهم على ملازمته ويعينهم على خدمته ، واحتط على من يحصل في يدك من أسرى المشركين ، لتفدي بهم من في قبضتهم من أسراء المسلمين ، وإذا عرضوا عليك الفداء فاحذر من خديعة تتمّ فيه ، أو حيلة تتوجّه في افتكاك معروف منهم بمجهول من أهل الإسلام ؛ وإن كان اللَّه تعالى قد فضّل أدنياء المسلمين على عظماء الملحدين ، ولم يسوّ بينهم في دنيا ولا آخرة ولا دين ، إلا أنّ هذا مما يوجب الحزم الحوطة فيه ؛ وإن ظفرت بنسيب لطاغيتهم المتملَّك عليهم أو خصيص ( 1 ) به فاحمله إلى حضرة أمير المؤمنين ، ليقرّبها رهينة على من قبلهم من المأسورين ، وسبيلا إلى انتزاع ما يبذلونه في فدايته من المعاقل والحصون . وقد أمضى لك أمير المؤمنين أن تعقد الهدنة معهم إذا رغبوا فيها على الشرائط التي تعود بعلوّ كلمة الملَّة ، وتجمع الخواطر والاستظهار للدولة ؛ فعاقدهم محتاطا ، واشترط عليهم مشطَّا ، وتحرّز في العقد ممّا يوجب تأوّلا ، ويدخل وهنا ، ويطرّق وهيا ، وتحفّظ بجوالي ( 2 ) المعاهدين والأموال المقبوضة في فداء الغلَّات والغنائم وسبي المشركين حتى يحمل ذلك إلى بيت مال المسلمين ، فينظر أمير المؤمنين في تفريقه على مستحقّه ، وإيصاله إلى مستوجبه ، وافحص عن أحوال المستأمنين إليك تفحّصا يكشف ضمائرهم ، ويبلو سرائرهم ،
هامش
( 1 ) في هامش الطبعة الأميرية : « اشتهر هذا البناء على الألسنة وفي رسائل الأفاضل ولكن لم نجده في كتب اللغة ، وإنما الذي فيها بهذا المعنى : فلان مخصّ بفلان أي خاص به وله به خصية » . ( 2 ) الجوالي هي ما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية المقررة على رقابهم في كل سنة . والجوالي أيضا جمع جالية ، وتطلق على أهل الذمة ؛ وقد قيل لهم ذلك لأن عمر بن الخطاب أجلاهم عن جزيرة العرب ، ثم لزم هذا الاسم كل من لزمته الجزية من أهل الذمة وإن لم يجلوا عن أوطانهم . ( التعريف بمصطلحات الصبح : ص 94 ) .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 423 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين