تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
غوائل المخادعة ، عن مواقف المماصعة ( 1 ) ؛ وقد قال إمام الحرب ، وزعيم الطَّعن والضّرب : « الحرب خدعة » ( 2 ) . وإذا عزمت على المصاع والمنافحة ، والإيقاع والمكافحة ، فبثّ من سرعان الفرسان الذين لا تشكّ في محض نصحهم ، ولا ترتاب بصدق نيّاتهم ، طلائع تطلعك على الأخبار ، وعيونا تكشف لك حقائق الآثار ، وتغضّ الطَّرف عن مجاوري الديار ، ومر من تقدّمه عليهم بأن لا يقتحم خطرا ، ولا يركب غررا ، وليكن من تنفذه في ذلك [ من ] ( 3 ) أهل الخبرة بالطَّرق والساحات ، والدخلات والأودية والفجوات ، حتى لا يتمّ للعدوّ فيهم حيلة ، ولا ينالهم منه غيلة ؛ فإذا أتوك بالخبر اليقين ، وأقبسوك قبس النّور المبين ، بدأت الحرب مستخيرا للَّه تعالى ، مقدّما أمامك الاستنجاح به ، واستنزال النصر من عنده ، مرتّبا للكتائب ، معبيا للصّفوف والمقانب ( 4 ) ، زاحفا بالراجل محصّنا بالفارس والرامي مجتنّا بالتارس ، واشحن القلب والجناحين بالشّجعان المستبقين ، والأبطال الحلاسين ( 5 ) ، وأنزل إلى رحى الحرب من خفّ ركابه من الأنجاد الراغبين في علوّ الصّيت والذكر ، الطالبين الفوز بالثواب والأجر ، واجعل وراءهم ردءا ، وأعدّلهم مددا يوازرونهم إن يجئهم ما لا يطيقونه ويحين ( 6 ) ، ويطايرونهم على ما خلص إليهم وادعين ، وقف من التأخير والإقدام ، والنّفود والإحجام ، موقفا تعطي الحزامة فيه حظَّها ، والرويّة قسطها ، مصمّما ما كان ( 7 ) التصميم أدنى لانتهاز الفرصة ، واهتبال الغرّة ، متلوّما ما كان ( 8 ) التلوم أحمد للعاقبة ، وأسلم للمغبّة .
هامش
( 1 ) المماصعة : القتال والتطاحن . ( 2 ) الخدعة ( بفتح الخاء ) هي المرّة الواحدة من الخداع . والمراد أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة . ( 3 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 4 ) المقانب : جمع مقنب ، وهي جماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة . ( 5 ) لعل المراد الأحلاس ، أي الذين لا يفارقون ظهور الخيل . ولم نعثر على هذا الجمع . ( 6 ) كذا في الأصول وفي الطبعة الأميرية . ( 7 ) أي كلما كان الخ . ( 8 ) أي كلما كان الخ .