تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وتقارعت أنسابهم وآدابهم ، وتشاكهت ( 1 ) مواردهم ومصادرهم ، وتشابهت أوائلهم وأواخرهم ، واتفقت جيوبهم ودخائلهم ، وتوضّحت عن الدين والخير مخايلهم ؛ هذا مع ما يرعاه أمير المؤمنين من كريم مساعيك في خدمته ، وإصابة مراميك في طاعته ، واعتصامك بحبل متابعته ، ونهوضك بحقوق ما أسبغه عليك من نعمته ، رأى أمير المؤمنين - واللَّه تعالى يقضي له في آرائه بحسن الاختيار ، ويمدّه بالعون والتأييد في مجاري الأقدار - أن قلَّدك النّقابة على الأشراف الطالبيّين أجمعين ، المقيمين بالحضرة وسائر أعمال المملكة شرقا وغربا ، وبعدا وقربا ، ثقة بأنّك تصدّق مخيلته فيك واعتقاده ، وتستدعي بكفاية ما استكفاك شكره وإحماده ، وتستدرّ بالاستقلال والغناء أخلاف إحسانه وفضله ، وتمتري بالاضطلاع بمضلع الأثقال فائض امتنانه وطوله ؛ فتقلَّد ما قلَّدك أمير المؤمنين عاملا بتقوى اللَّه وطاعته ، مستشعرا لخيفته ومراقبته ، وأحسن رعاية من عدق بك رعايته ، وسياسة من وكل إليك سياسته ، واعلم أنّ أمير المؤمنين قد ميّزك على كافّة أهل نسبك ، وجميع من يواشجك في حسبك ، وجعلك عليهم رئيسا ولهم سائسا ، فاعرف لهم حقّ القرابة والمشابكة ، وتشاجر الأنساب والمشاركة ؛ فإن اللَّه تعالى يقول : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ( 2 ) ، وعمّهم جميعا بالتوقير والإكرام ، والتفقّد والاهتمام ، واتّخذ شيخهم أبا ، وكهلهم أخا ، وطفلهم ولدا ، وافرض لهم من الحنان ، والإشفاق والفضل والإحسان ، ما تقتضيه الرّحم الدانية ، والأواصر المتقاربة ، وكن مع ذلك متفقّدا لأحوالهم ، مطالعا لسيرهم وأفعالهم ؛ فمن ألفيته سالكا لأقصد الطرائق ، متخلَّقا بأجمل الخلائق ، حارسا لشرفه ، متشبّها بسلفه ، فزده في الأثرة زيادة ترغَّب أمثاله في اقتفاء مذهبه ، وتبعثه على التأدّب بأدبه ، ومن وجدته مستحسنا ما لا يليق بصريح عرقه ، راكبا ما ليس من طرقه ، فأيقظه بنافع الوعظ ، وذكَّره بناجع اللَّفظ ؛ فإن استقام على الطريقة المثلى ، ورجع
هامش
( 1 ) شاكهه مشاكهة وشكاها : شابهه وشاكله . ( 2 ) الشورى / 23 .