تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
اختصّه بهداية خلقه ، واستخلصه لإظهار حقّه ، بأضفاها عطافا ، وأصفاها نطافا ( 1 ) ، وأحسنها شعارا ، وأجملها آثارا ، واستخرجهم من أطيب البريّة أعراقا ، وأطهرها شيما وأخلاقا ، وأقدمها سؤددا ومجدا ، وأكرمها أبا وجدّا ، وتوحّد بأفضل ذلك وأعلاه ، وأكمله وأسناه ، محمدا صفوته من خلصائه ، وخيرته من أنبيائه ، فأظهره من المنجب الكريم ، والمنجم الصّميم ، والدّوحة الطاهر عنصرها ، الشريف جوهرها ، الحلو ثمرها ، ورشّح من اختاره من عترته لسياسة بريّته ، والدعاء إلى توحيده وطاعته . يحمده أمير المؤمنين أن شرّفه بميراث النبوّة ، وفضّلة بأكرم الولادة والأبوّة ، وأحلَّه في الذّروة العالية من الخلافة ، وناط به أمور الكافة ، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد وعليّ أبيه ، صلَّى اللَّه عليهما . وإن أمير المؤمنين يرى أنّ من أشرف نعم اللَّه عليه موقعا ، وألطف مواهبه لديه موضعا ، توفيقه للمحافظة على من يواشجه في كريم نسبه ، ويمازجه في صميم حسبه ، ويدانيه في طاهر مولده ، ويقاربه في طيب محتده ، وتنزيل كلّ ذي تميّز منهم في دين وعلم ، ودراية وفهم ، وإحلاله بالمنزلة التي يستوجبها بفاضل نسبه ، وفضل مكتسبه ، ويبعث أنظاره على التحلَّي بخصاله ، والتزيّن بخلاله : ليحصل لهم من فضل الخلائق والآداب ، ما يضاهي الحاصل لهم من عراقة المناجب والأنساب ؛ ولذلك لا يزال ينوط أمورهم ، ويكل تدبيرهم ، إلى أعيان دولته ، وأماثل خاصّته ، الذين يعتادون حضرته ويراوحونها ، ويطالعونه بحقائق أحوالهم وينهونها ، ويستخرجون أمره في مصالحهم بما يذلَّل لهم قطوف إحسانه وطوله ، ويعذب لهم مشارع برّه وفضله ؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا باللَّه عليه يتوكَّل وإليه ينيب . فإن كان العهد إلى خادم ، قال :
هامش
( 1 ) النطاف : جمع نطفة وهي الماء الصافي .