تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
أربيت عليه وزدت ، ولا يناويك مناو إلا أنسيت ذكره أو كدت ؛ فكم لك من مقام محمود يسير ثناؤه ووصفه ، وكم لك من ذكر جميل يفوح أرجه ويتضوّع عرفه ، وكم لك من مجال في المشايعة لا يقصر أمده ولا يكبو طرفه ؛ والسيد الأجلّ الأفضل الذي عظَّم اللَّه قدره ورفع مجده ، وجعله في الغضب لتوحيده دون جميع البريّة أمّة وحده ، وألهمه التجرّد لنصرة الإيمان فقام بحقّ اللَّه لمّا غفل الملوك وقعدوا ، وأمدّه بموادّ السعد فاستيقظ بمفرده حين ناموا عن استخلاصه مما عراه ورقدوا ، وأضحى انتصابه آية أظهرها اللَّه للملَّة ، وغدا انتصاره معجزة حسم بها في رفع منار الدّين كلّ علة ، فهمّته مصروفة على ما يعزّ الشريعة الحنيفية ، وعزمته موقوفة على الدّفع عنها بأطراف الذّوابل وحدّ المشرفية ، فبلَّغه اللَّه في كلّ ما يحاوله ما يضاعف فخره ، وأعانه على ما يقدّمه لمعاده ويجعله في الآخرة ذخره ، بحوله ومنّه ، وطوله وفضله . فلا يزال هذا السيد الأجلّ يثني عليك ثناء يخلَّد لك ولعقبك مجدا باقيا ، ويحبوك من الوصف والإطراء بما يجعلك في مراتب الوجاهة والنّباهة ساميا راقيا ، ويرشّحك من الخدم لأجلَّها قدرا ، ويطلع منك في آفاق سمائها بدرا ، ويجعل لك بما يؤهّلك له صيتا ويسيّر لك ذكرا ؛ وحين جدّد شكرك ، وأوصل على عادته ما يشيّد أمرك ، قرّر لك ولاية « ثغر عسقلان » - حماه اللَّه تعالى - الذي هو ثغر الدّين ، وكنانة الموحّدين ، ووزر الأتقياء المجاهدين ، وشجى في صدور الكفرة المعاندين ؛ فأمضى أمير المؤمنين ما رآه من هذا التقرير ، وعلم أن البركة مضمونة فيما يتكلَّفه من التدبير ، وخرج أمره إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجل بتقليدك ولاية هذا الثغر المحروس وعمله ، وما هو منتظم معه من سهله وجبله ، فاعرف قدر هذه النعمة التي رفعتك على جميع الأمراء ، وأغناك فيها حسن رأي أمير المؤمنين ووزيره السيد الأجلّ الأفضل عن الوسائط والسّفراء ، وأحلَّتك أعلى مراتب الرّفعة والسّموّ ، وأحظتك مع بعد الدّار بمزيّة القرب من قلبيهما والدّنوّ ؛ فتقلَّد ما قلَّدك أمير المؤمنين من هذه الولاية الشامخة المحلّ ، التي غدا محظورها على غيرك من المباح لك المحلّ ، وتلقّها من الشكر بما يجعلها إليك آوية ، ولديك مقيمة ثاوية ،