تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
سواحل الشام ، ولم يبق معهم إلا ساحل عسقلان وما قاربه وكان مقرّ الولاية بها في عسقلان ( 1 ) . وهذه نسخة سجل بولايتها ، وهي : أما بعد ، فإنّ أولى ما وفّر أمير المؤمنين حظَّه من العناية والاشتمال ، واعتقد العكوف على مصالحه من أشرف القربات وأفضل الأعمال ، وأسند أمره إلى من يستظهر على الأسباب المعيية بحسن صبره ، وعدق النظر فيه بمن لا يشكل عليه أمر لمضائه ونفاذه ومعرفته وخبره ، ما كان حرزا للمرابطين ومعقلا ، وملتحدا للمجاهدين وموئلا ، وموجبا لكلّ مجتهد أن يكون لدرجات الثواب مرتقيا متوقّلا ، عملا بالحوطة للإسلام الذي جعله اللَّه في كفالته وضمانه ، وتماديا على سياسته التي أقرّ بفضلها إقرار الضرورة كافّة ملوك زمانه ، وحرصا على الأفعال التي لم يزل مقصودا فيها بألطاف اللَّه تعالى وتوفيقه ، وتبتّلا للأمور التي أرشده اللَّه سبحانه في تدبيرها إلى منهج الصواب وطريقه ، ومضاعفة من الحسنات عند أوليائه أهل الحق وحزبه وفريقه . ولما كانت مدينة عسقلان - حماها اللَّه تعالى - غرّة في بهيم الضّلال والكفر ، وحرما يمتاز عن البلاد التي كلَّمها الشّرك بالناب والظَّفر ، وهو من أشرف الثّغور والحصون ، وأهله أنصار الدّين القيّم المحفوظ المصون ، وكنت أيّها الأمير من أعيان أمراء الدولة وكبرائهم ، ووجوه أفاضلهم ورؤسائهم ، ولك في الطاعة استرسال الأمن في مواطن المخاوف ، وفي الذّبّ عنها وحمايتها مواقف كريمة لا توازى بالمواقف ؛ وقد وصلت في ولائها القديم بالحديث والتالد بالطريف ؛ وحين ولَّيت مهمّات استنجد فيها بعزمك ، وأستعين عليها بحزمك ، تهيّب الأعداء فيها ذكر اسمك ، وكان من آثارك فيها ما شهر غفلها ( 2 ) بوسمك ، فلا يباريك مبار إلا
هامش
( 1 ) مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين . ( معجم البلدان : 4 / 122 ) . ( 2 ) الغفل : ما لا علاقة فيه ولا سمة عليه .