تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
لك ، ويتابع من ذلك ما إذا ذكر اليسير منه شرّفك وجمّلك ، ويصف ما كان لأخيك القاضي المكين - رحمه اللَّه - من الاجتهاد في المناصحات ، ومن الأفعال الحسنة والأعمال الصالحات ، ومن الوجاهة التي أحلَّته مكانا متجاوزا غاية الآمال الطامحات ، ما رفعه عن طبقات كثير من سادات الناس ، وجعل حاسديه في راحة لما شملهم من دعة الياس . وإنك أيّها القاضي المكين ، الأشرف الأمين ، قد بلغت مداه في الجلالة ، وورثت مجده لا عن كلالة ، وحويت فضله وفخره ، وقفوت أثره وأحييت ذكره ، وحزت خلاله الجميلة وأفعاله الرضيّة ، وحصّلت الفضيلتين الذاتيّة والعرضيّة ، ولذلك تقرّرت نعوتك « القاضي المكين » لاستيجابك فيما تقضي به جزيل الثواب ، ولتمكَّن أفعالك في محل الصّواب ، و « الأشرف الأمين » لشرف نفسك ، وكون أمانتك في حاضر يومك على ما كانت في ماضي أمسك ، و « تاج الأحكام » لأن ما يصدر منها سامي المنهاج ، وقد ارتفع محلَّه كما ارتفع محلّ التاج ، و « جمال الحكَّام » لأنك لما وليت ما ولَّوا جمّلتهم إذ فعلت من الواجب فوق ما فعلوا ، و « عمدة الدين » لأنّ من كان مثلك ركن إليه الدين واستند ، وتوكَّأ على جانبه واعتمد ، و « عمدة أمير المؤمنين » لأنك ذخيرة لدولته ، ونعم البقية الصالحة لمملكته . ومعلوم أن ثغر الإسكندرية - حماه اللَّه تعالى - الثغر الرفيع المقدار ، الذي هو قرّة العين للإسلام وقذى في عيون الكفّار ، ومحلَّه مما تتطامن له معاقل التوحيد وحصونه ، وهو مشتمل من الفقهاء والصلحاء والمرابطين وأهل الدّين على من لم يزل يحفظه ويصونه ، وإليه تتناثل ( 1 ) السّفّار ، وتتردّد التّجّار ، وهو المقصود من الأقطار القصيّة النائية ، ومن البلاد القريبة الدانية ؛ وما زالت أحواله جارية بنظرك على أحسن الأوضاع وأفضلها ، وأوفى القضايا وأكملها ؛ وما كان استخدام غيرك فيه إلا ليظهر إشراق شمسك ، وليزول الشكّ في تبريزك على جنسك ، وليتبيّن
هامش
( 1 ) تناثل القوم إلى فلان : اجتمعوا اليه من كل صوب .