تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وبما صفا لديك من موارد هذه الجمّة ( 1 ) ، وقدّم تقوى اللَّه أمامك ، واتّبع وصيّتها التي استعمل اللَّه بها إمامك ؛ فبها النجاة مضمونة ، والرحمة متيقّنة لا مظنونة ، قال اللَّه سبحانه في كتابه المكنون : * ( ويُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * ( 2 ) . واعتمد المساواة بين الناس فيما هو حكم ، والنظر بالعدل في كلّ ما هو ظلم ، ولا تجعل بين الغنيّ والفقير في الحق فرقا ، واسلك فيهم طريقا واحدا فقد ضلّ من سلك فيهم طرقا ، واشمل أهل المدينة بطمأنينة تنيم الأخيار وتوقظ الأشرار ، وأمنة تساوي فيها بين ظلام الليل ونور النهار : لتكون ولايتك لهم موسما ، وموردها لثغور الأمر مبسما ، وأنصف المظلوم واقمع الظالم ، وكن لنفسك زعيما بنجاتها فالزعيم لها غارم ، وانه عما نهى اللَّه عنه من الفحشاء والمنكر ، وأمر بالمعروف وحسبك أن تعرف به وتذكر ، وخذ في الحدود بالاعتراف أو الشّهادة ، ولا تتعدّ حدّها بنقص ولا زيادة ؛ وكما تقيمها بالبينات ، فكذلك تدرؤها بالشّبهات ، وفي هذه المدينة من أعيان الدولة ووجوهها ، وكلّ سامي الأقدار نبيهها ، وأرباب السيوف والأقلام ، والمعدودين في العلماء والأعلام ، والمعدّلين الذين هم مقاطع الأحكام ، والتجار الذين هم عين الحلال والحرام ، والرعية الذين بهم قوام العيش في الأيام ، من يلزمك أن تكون لهم مكرما ، ولإيالتهم محكما ، ومن ظلمهم متحرّجا متأثّما ، ولسانهم في الشكر عن لسانك متكلَّما ، وإلى قلوبهم بجميل السّيرة متحبّبا ، ولمساخطهم - ما لم تسخط اللَّه - متجنّبا . واشدد من المستخدمين بباب الحكم في إشخاص من يتقاعد عن الحضور مع خصمه ، ويتّبع حكم جهله فيخرج عن قضيّة الشرع وحكمه ، وأوعز إلى أصحاب الأرباع ( 3 ) بإطلاعك على الخفايا ، وإبانة كل مستور من القضايا ، وأن يتيقّظوا
هامش
( 1 ) الجمّة : الماء الكثير . ( 2 ) الزمر / 61 . ( 3 ) الأرباع : ومفردها ربع ( بفتح الراء ) ، وهي الأمكنة المعدّة لاستقبال التجار الأجانب ، يبيتون فيها . ولا يزال في القاهرة إلى الآن منطقة تسمى « تحت الربع » . « التعريف بمصطلحات الصبح : 25 والصبح : 13 / 93 ) .