تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
علمها ، وأوجد معاني معاليها وأنقذها من إسار عدمها ، وارتقى إلى هضبات الرياسة المنيعة بما جعل خلاله المسلَّم فضلها مثل سلمها ، وناولته الدّراية عناني سيفها وقلمها ، وشهدت الأيام بتقدّم قدمه في مراتبها وقدمها ، وأمنت الصواب أن يتبع أفعاله إذا أمضاها بعيب ( 1 ) بذمّها ، وكتبت أقلام رماحه سطور الطعن في صدور العدا مستمدّة من دمّها ، وتجشّم مشقّات المعالي فآثرته تعفي راحة بجسمها ، واجتمعت فيه صفات المحاسن المتفرّقة فقضى عليها بتجسيمها ، وتصدّر الدرجات المحصنة من مطالع الحاضر لحظَّه من رقتها ونسيمها ، وتعرّضت ذخائر المحامد لما في طبعه من اقتناصها ونعيمها ، وقرّت عين المنازل فما زوت وجه إقبالها ولا بسطت راحة تظلَّمها ، وانثنت إليه عقائلها المصونة فما ثنت دون ديانته عنان تلوّمها ، وأثرك في كل ولاية مشكور ، وسعيك في كل غاية غير مقصور ، وغناؤك في المهمّات معدّ مذخور ، ومساجلك عن أيسر ما وصلت إليه مدفوع مدحور ، وليل شبابك بالكوكب الدّريّ من صولتك منحور ، وأفعالك أفعال من لا يجوز غير محرز كسب الأجور ، وخلالك خلال من انتظم في سلك الذين يرجون تجارة لن تبور . وقد سلفت لك خدم تصرّفت فيها وتدرّجت ، وعرّفت ( 2 ) بطهر الذكر من رعيّتها وتأرّجت ، وتحوّبت ( 3 ) من الأوزار على ما يوقع ذنبك وتحرّجت ، وجريت على أجمل عادة ، واقتضيت عند انقضاء شأو الإبداء استئناف شأو الإعادة . ومثل بحضرة أمير المؤمنين لسان أمره ، وسيف زجره ، السيد الأجلّ الذي قام بما استكفاه فأحسن وحسّن ، وصان حمى الملك فأحصن وحصّن ، وجاد بنفسه في
هامش
( 1 ) كذا في الطبعة الأميرية بإهمال الحرف الأخير مع علامة توقف . ولعل الصواب : « بعيب يذمّها » وجملة إذا أمضاها معترضة ينبغي وضعها بين فاصلتين . ( 2 ) من عرّف الشيء : طيّبه وزيّنه . والعرف ( بفتح العين وتسكين الراء ) : الرائحة مطلقا ، وأكثر ما يستعمل في الطيبة منها . ( 3 ) تحوّب من الشيء : توجع وتحسّر . ومن القبيح : تحرّج وهو المراد .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 357 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين