تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
سبيل اللَّه فما ضنّ ، وكان مكان ما أمّل عند اصطفائه وفوق ما ظنّ ، وسدّد قصوده ، فمرقت سهامها وما مرقت عن طاعته ، وأطلع سعوده ، وفأنارت نجوما لأوليائه ورجوما لأهل خلاف خلافته ، وأطلقت أحكام عدل اللَّه في خلق اللَّه أحكام مراماته وسيف إخافته ؛ فالدنيا بيمن إيالته عن مآخذ السراء ، وطلقاء الجود بما عملته يده من قيود الإحسان في عداد الأسراء ، ورضا أمير المؤمنين عنه كافل له بأن يرضي اللَّه في الأعداء ، وملوك الأرض إن فدت السماء ( 1 ) طيّبة أنفسها له بالفداء ، والدنيا متأرّجة بطيب خبره ، والعلياء متبرّجة بحسن نظره ، وبحار التدبير لا تفارق زبد أمواجها إلا بفاخر جوهره ، وقوانين السّياسة لا توجد مسندة إلا عن اتّباع أثره ، ولا حظَّ لمحاربه إلا سلمه بعثاره وتثلَّمه بعثيره ( 2 ) ، فأثنى عليك بحضرته واصفا ، وثنى إليك عنان عنايته عاطفا ، ورأى تقليدك ولايتها معربا باستحقاقك عارفا - خرج أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بتقليدك ولاية المعونة والحسبة بمدينة مصر والجيزة والقرافة ( 3 ) ، إنافة بك عن النّظراء ، وإبانة عمّا لك من جميل الآراء ، وتطرية لحظك بما حصل به من الإطراء ، ورعاية لما لك من الانتهاء إلى أقصى غايات الإحسان والإجراء ، وإيجابا لما تتوسل به من العناء ، وذخائر الغناء والإثراء ، وإشادة لقدرك الذي أشاده ما أنت عليه من الإيواء إلى ظلّ النزاهة والاستيناء ( 4 ) . فتقلَّد ما قلَّدته من هذه الخدمة ، وارفل بما ضفا عليك من ملابس هذه النعمة
هامش
( 1 ) كذا في الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولا نظن أن اللفظ من فدى فداء ، إذ ليس له معنى مناسب هنا . ولعله من فدّ ( بتشديد الدال المهملة ) فدّا وفديدا : اشتدّ صوته ، ويكون المراد : إن نادت بصوت عال . أو لعله من فدّ الرجل وفدّد : مشى مرحا متكبرا بطرا . وفي هذه الحال نفترض أن سقطا وقع من الأصل وتقديره : « وملوك الأرض ، وإن فدّت تحت السماء ، طيّبة الخ » . ( 2 ) العثير : الغبار ، وهو أيضا الأثر الخفيّ فتأمل . ( 3 ) القرافة : خطة بالفسطاط من مصر . وقرافة بطن من المعافر نزلوها فسميت بهم ، وهي اليوم مقبرة أهل مصر ، وبها أبنية جليلة ومحال واسعة ومشاهد للصالحين . ( معجم البلدان : 4 / 317 ) . ( 4 ) استناء فلانا : طلب نوأه ، أي عطاءه ورفده .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 358 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين