التنزيل بما أفرده اللَّه به من مزايا الإلهام ، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما أبناء الرّسالة والإمامة ، والمختصّين بإرث بيته المحبوّ بتظليل الغمامة ، والقائمين بنصرة الدّين ، والمتفرّدين بإمرة المؤمنين .
وإنّ أمير المؤمنين لما أقامه اللَّه له من تمكين قواعد الدّين ، واختاره لإيضاحه من إرشاد فرق المسلمين ، وأفضى به إليه من سرّ الإمامة المكنون ، وألقاه إليه من خفايا الإلهام الذي تستنبط من أنوارها علَّة ما كان ويكون ، وأمدّه من التأييد الذي يستأصل طواغيت النّفاق بقوارع المهالك ، ويسلك بمردة أهل العناد أوعر السّبل والمسالك ، وأنجده في كلّ الحالات بالألطاف الخفيّة التي تتكفّل بإعلاء كلمته ، وتتضمّن نصر أعلامه ونشر دعوته ، وآتاه جوامع المعارف والحكم ، وفرض طاعته على من دان بالتوحيد من جميع الأمم ، وألزم مقاصده وأنحاءه التوفيق ، وأوجب لها السعادة في كلّ جليل ودقيق ، يفوّض أمره إلى الخالق ، ويفيض جوده وبرّه في الخلائق ؛ فلا يزال لأحوال دولته مراقبا ، ولا ينفكّ يفيد كلّ ما يتعلَّق بها نظرا ثاقبا ؛ فإذا لاحت له لائحة صلاح ، أو بدت لنظره مخيلة نجاح ، اجتهد في توسيع مجالها ، وحرّض على حثّها وقصد إعجالها ، والتمس للدّولة اجتلابها ، وفتح إلى استدعاء النّفع بابها : لينمى الخير العميم ، في دولته ، ويتضاعف النفع الجسيم ، لرعيّته ، وتكون كافّة الخلق فيها بالأمنة والسّكون مغمورين ، وبحسن صنيع اللَّه بهم فرحين مسرورين .
ولمّا تصفّح أمير المؤمنين أحوال دولته ، وتأمّلها تأمّل من يؤثر أن يفقه الفحص في كل مهم على حقيقته ، رأى أن اللَّه جل وعلا قد منح أمير المؤمنين من خالصته وصفيّه ، ووزيره وكافيه وولَّيه ، السيد الأجلّ ( بالنعوت والدعاء ) الذي قام بنصرته ، وكفل أهوال الحروب بنفسه وأولاده وأسرته ، وحالف التغرّب والأسفار ، واستبدل من لين العيش بملاقاة السّهام واللَّهاذم والشّفار ، واتخذ ظهور الجياد عوضا من الحشايا ، ومنازلة الأبطال دأبا في الحنادس والبكر والعشايا ، وآثر
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 329
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص٣٢٩