تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
بالقاهرة المحروسة التي هي عمدة الإيمان والإسلام ، ودار هجرة الإمام ، ومعقل الخلافة منذ غابر الأيّام ، وأطلق يده في ربّ جميع الأعمال ، وتأمينها من بوائق الأوجال ، فبثّ بالحضرة وبالأعمال من مهابته ما شرّد الأوغار ( 1 ) ، وسهّل الأمصار ، ومحق الضّلَّال ، وأذاقهم النّكال ، فعمّ السّكون والأمنة ، واستولت على الأعمال السياسة المستحسنة ، فحادت بنضرة الأيام وصلاح الوجود ، واغتبطوا من تدبيره بصعود الجدود ، ورتعوا من عنايته في عيش يضاهي عيش جنان الخلود ؛ فالبلاغات بأسرها لا تقوم بمدح ما أوتي من الفضائل ، ولا يوازي مجموعها منقبة من مناقبه التي أربى بها على الملوك الأواخر والأوائل ، والخصائص الملوكية بجملتها فيه جبلَّة وفطرة ، وإذا قيست نادرة من نوادر فضله بما تفرّق في جميع الملوك كانت فضائله بمنزلة البحر ومجموع فضائل الملوك بمنزلة القطرة ؛ وقد طرّز فضائله البديعة ، وخلاله السامية الرّفيعة ، من موالاة أمير المؤمنين ومناصحة دولته بما تكفّل بسعادة الدنيا والآخرة ، ونهايات مغانم الثواب الشريفة الفاخرة ؛ فليله ونهاره مصروفان إلى المجاهدة عن دولة أمير المؤمنين التي هي دولة التّوحيد ، والمخلص فيها معرّض لكلّ مقام سعيد ؛ فمحاسنه ترتفع عن قدر التقريظ والمديح ، ولا تقابل إلا بموالاة التسبيح . ولما أحمد أمير المؤمنين أثرهما في خدمته ، وشكر قصدهما في دولته ، وكان السيد الأجلّ قد بلغ إربه في الخلال ، وحلّ المحلّ الذي لا تتعاطاه جوامح الآمال ؛ وقدره يشرف عن كلّ تكريم ، ، وموضعه يتميّز عن كلّ منّ جسيم ، ومنزلته تسمو عن كلّ تعظيم - فأوصى أمير المؤمنين السيد الأجل أن يقرّر له جميع خدمه ، ويسبغ عليه في المستأنف أضفى نعمه : فإن محلَّه يرتفع عن محلّ الخدم الجليلة ، ويسمو عن كل تصرّف يسمه في الدولة بسمة جميلة ؛ ورأى أمير المؤمنين والسيد الأجل أن يعلن بإسناد النيابة عن والده في أمور المملكة إليه ، ويشهر أنّ ذلك معوّل فيه عليه : ليخفّف عن السيد الأجلّ أمير الجيوش أمر أثقالها ،
هامش
( 1 ) الضغائن والأحقاد .